[font=Tahoma] [/font]

..
كان النبأ الذي نزل على القرية بمثابة شحنة قوية انسابت في عظامي واكفهرت لها سماء [align=justify]شبابي الغض الذي كنت أحلم بثماره اليانعة، أعلن المنادي في سطح المسجد : " نداء عام إلى كل من يقدر على حمل السلاح ، هاهي قوات الاحتلال البغيضة تتقدم نحو أراضينا، هلوا أيها الشباب إلى الدفاع عن الأرض وصد الغزاة ، موعدنا عند سفوح جبال "صاغرو " ، لا تتركوا الفرصة لهؤلاء الأوغاد كي يهنأوا بغطرستهم ...نداء عام ..ألا هل قد بلغت، فليبلغ السامع الغائب..." ، كنت مقبلا على عقد القران مع ابنة عمي 'تيدار'، التي نزل عليها الخبر كالفاجعة فهرولت إلى أمها مستفسرة عن مصير زواجها، وبسرعة محمومة تواصلت أسرتانا وعقدنا القران أثناء الليل، تساءلت : "هل يمكن لي أن أصاحب زوجتي إلى المعركة؟ فقيل لي بأن كل الأسر مطالبة بالاحتماء بالجبل، كانت فرحتي عارمة، وفي غبش الفجر تسللنا عبر واحات النخيل والأخاديد متلمسين طريقنا إلى المكان الموعود، ولم تصعد الشمس في كبد السماء حتى أشرفنا على ذلك الجبل المغوار ، جبل بوكَافر، وما أن جاء عصر ذلك اليوم حتى بدا السفح كسوق موسمية انتصبت فيها الخيام وعلا فيها غبار تثيره الخيول الأمازيغية والقطعان من الإبل والماعز والضأن،
اجتمع القادة في خيمة الشيخ عسو ، وبدأوا في تنظيم الصفوف وتوزيع أبرع الفرسان على المواقع الحساسة، ولكم كنت جذلا وزوجتي الشابة النضرة، وقد شرفتني القيادة بحراسة البئر التي تتوسط المنبسط الذي يلي مقدمة الجبل، ومن أجل ذلك تسلقت وإياها ذلك الجدار الجبلي من أجل الوصول إلى المغارة الكبيرة المطلة على ذلك المنبسط، هذه المغارة التي هيأ لها أجدادنا طريقا ملتوية لم نكن قد اكتشفناها إلا في مرحلة لاحقة، وكانت القيادة قد أمدتني ببندقيتين وذخيرة ومؤونة كافية لشهرين، ولم تمض إلا أيام قليلة حتى سمعنا هدير الآليات التي جاء بها الجيش الفرنسي وأذنابه من جيش الكَلاوي، كما بدأت الطائرات تحلق فوقنا في كل يوم، لكن أي أحد من مغامري قوات الاحتلال يجرأ على التقدم نحو الجبل،
وبعد أن استحال عليهم اختراق نقطنا الأمامية استعانوا بالطائرت والمدافع، فانهالت علينا حمم من القذائف لم نراها من قبل، وسقط الكثير من الشهداء من الشيوخ والنساء والأطفال، وشيئا فشيئا بدأت الكثير من نقط الحراسة تسقط بفعل استمرارية الفصف من الأرض والجو، وقد وصلت بهم جرأتهم إلى التقدم نحو البئر عدة مرات، لكني وزملائي المجاهدين صرنا لها بالمرصاد،
وفي تلك الليلة المشؤومة التي اكتسح فيها جيش الغزاة السفوح الوسطى من الجبل، وبعد مضي فترة طويلة لم نعد نحسب أيامها، جاء المخاض زوجتي، وكانت قربنا خالية من الماء، لم أستطع أن أتزحزح عن مكاني لأن فلولا من مرتزقة الغزاة تحاول النفاذ إلى المنبسط ، فصرت أرى الشبح فأتبعه بالطلقة الصائبة فأسكته فيتقدم آخر وهكذا دواليك... وضعت الزوجة وليدها في منتصف الليل، وكنت أعاني وإياها من العطش ، حاولت أن أقنعها بأن تصبر حتى آتي لها بالماء، ولكنها توسلت إلي أن لا أترك البندقية، قطعت بنفسها حبل الصرة، وانتقضت رغم ما كانت تشعر به من الألم ، وتمنطقت بقربتها متجهة إلى البئر في الظلام الدامس، لم تعد تنظر إلى خلفها، حاولت التسلل بين الحشائش والأحراج الغابوية حتى لا تبصرها أعين القناصين الأعداء، ولكنها ما أن وصلت إلى مقربة من البئر حتى انطلقت رصاصة طائشة نحو أحشائها ، ترنحت وحاولت الوقوف والرجوع إلى المغارة، وعلى بضعة أمتار مني صاحت : " يا لكرامة القدر، لقد آن أواني " لكنها استسلمت للموت الرهيب إثر إصابة مباشرة في رئتها، جررتها إلى الداخل، والوليد يملأ بكاؤه فضاء المغارة، انتحبت وثارت ثائرتي ورجعت إلى البندقية ، ولكن ، هيهات، فقد تسلل الكثير من الأوغاد واحتموا بالشقوق الجبلية في أسفل العرف،...
رفعت يداي إلى الله وقلت: " يا رب إن كان ما نقوم به تجاه بلدنا عملا من الصالحات ففك أسري ونفس عن كربتي، وإن كان غير ذلك فأنت أدرى بما أنا عليه،.." كان الوليد لا ينفك عن البكاء، ولكن بسريان أشعة الفجر على المنبسط بدأ انينه يخف ويخف، حتى ظننت أنه قد احتضر، وبعد دقائق من صمته ، سمعت حركة غريبة تنبعث من الشعب القريب من المغارة، إنه صوت عنزة وحملها يقصدان المغارة ويدلفان متجهين نحوي، تسمرت في مكاني وصرت أتمتم " شكرا لك يارب ، شكرا لك يا رب " حلبت هذه العنزة التي كانت تتمسح بي وتثغو من حين لآخر، ومن أشد ما أثار دهشتي أنها كانت تغادر المغارة مع حملها لترعى في ا‘لى الجبل وتعود في المساء لتبيت معي ومع ولدي، وصرنا نحلبها حتى أعلنت الهدنة وأسدل الستار على معركة "بوكَافر" ، التي استشهد فيها ما ينيف عن 1300 من المجاهدين والمجاهدات، وقتل فيها ما ينيف عن 3000 من جيش الغزاة، والتي لم يخصص لها من الكتاب المدرسي في بلدي سوى بضعة سطور..............انتهت القصة...