هي الان الاحد نوفمبر 23, 2008 12:30 am
video
افلام عالم حواء برامج الجوال msn برامج كمبيوتر mobily




المنتدى مغلق هذا الموضع مغلق لا تستطيه ان تعدل المشاركات او تقوم بتقديم ردود  [ 6 مشاركة ] 
 أبحاث متعلقة بالإعجاز العددي في القرآن.* 1 * 
المؤلف رسالة
مشرف
مشرف
رموز المستخدمين

اشترك: السبت مارس 24, 2007 8:02 am
مشاركات: 940
الموقع: U.S.A **جزائري**
مشاركة أبحاث متعلقة بالإعجاز العددي في القرآن.* 1 *
[align=center]صورة

1)-القرآن المعجزة الخالدة
*****************

كلمة بقلم الدكتور أمير عبد العزيز أستاذ الفقه المقارَن في جامعة النجاح الوطنية نابلس - فلسطين

************************

من الحقائق الساطعة والمسلّمات البلْجة أن القرآن أعظم الظواهر الكونية في هذا الوجود. وذلك بما يتجلّى في هذا الكتاب الحكيم من مختلف اللّمسات الإعجازية المثيرة. إن هذا الكتاب الربّاني المذهل يأتي في الذروة السامقة من معاني الإعجاز المستفيض. لا جَرَمَ أن القرآن عجيب ومذهل ومثير لا تنقضي عجائبه. ويأتي في طليعة الإعجاز بكل صوره وألوانه وأطيافه إعجاز البيان وذلك ما بين نَظْم باهر، ونغم ساحر، وإيقاع رهيف يهزّ القلب والوجدان، وتصوير فنّي يثير الدهش، ويستنفر الحسّ والخيال، فضلاً عن عدم الخُلوق. إذ هو لا يَخْلَقُ على كثرة الردّ، ولا يأتي عليه شيء من البِلى، بمرور الزمن، وأنه متّفق ومتّسق لا مكان فيه للإضطراب والتناقض.



وثمّة ظاهرة مستجدّة تطفو للأذهان على سطح المعرفة في العصر الراهن لتستوقف العقول، وتخلب الألباب، وتلكم هي ظاهرة الأعداد والأرقام التي تزجي لحقيقة الإعجاز القرآني ظاهرة أخرى مميزة تُضاف إلى ما يتجلّى في القرآن من عجائب مذهلة يجد من خلالها كل ذي بالٍ أو بصيرة أن هذا الكتاب من لدن حكيم عليم، وأنه يعزّ على البشرية أن تصنع مثله.



وينبغي التذكير هنا بالبحث الذي بين أيدينا وهو «البرهان في الأعداد والأرقام على إعجاز القرآن» من تأليف الأخ لؤي غازي الطيبي.



والبحث يتناول الحديث عن مثل هذا المنهج المستجدّ في التدليل على إعجازيّة الكتاب الحكيم. ومن خلال الوقوف على ما يتضمّنه القرآن العظيم من أدلّة وشروح مستفيضة في ظاهرة الأعداد والأرقام المذكورة في كتاب الله يتّضح للمتدبّر البصير استحالة الصدفة أو العبثيّة في هذا الصدد. وإنما ذلك ترتيب مقدور كتبه الله لأولي الأبصار والبصائر كيما يتدبّروا هذا الكتاب الربّاني المعجز فيقفوا على أسراره وعجائبه على مرِّ الأحقاب والأدهار.



لقد تناول المؤلف مشكورًا ظاهرة الإعجاز العددي في خمسة أبواب، فأسهم خلالها تفصيلاً في مثل هذه الظاهرة المميزة لتضاف إلى الظواهر الكثاف التي يستبين من خلالها للأذهان أن القرآن معجز، يعزّ على البشرية أن تضاهيه.



ومن جملة هاتيك القضايا الإعجازية، ذلكم التكرار بشقّيه اللفظي والعددي، ثم كمال الألفاظ المناسبة وما تضمّنته من دقّة عجيبة في المعاني. ثم ضرورة التدبّر في إيغال وتُوءَدَة مع الإعمال الحريص للنظر في مثل الأعداد الواردة في القرآن الكريم كالستة والسبعة والتسعة والعشرة والإثنتي عشرة، مضافة إلى معدودادتها وما يستتبع ذلك من معانٍ مستفادة تقف على استيعابها مدارك النابهين وأولي الحصافة من المفكّرين. ويُضاف إلى ذلك ما تعرّض له الكتاب من بيان لأسرار الذرّة ومركّباتها الثلاثة: الإلكترون، والنيوترون، والبروتون. وأخيرًا تلكم الظاهرة المثيرة في مادّة الحديد. هذا العنصر المميز الذي يحتل من كتاب الله شطرًا من الذكر والبيان بما يشي أن معدن الحديد له من الخاصية في التخليق ما يسترعي النظر.



كل هاتيك المعاني وغيرها مما هو مخبوء في أطواء الغيب عن عجائب القرآن الكريم، ما يقطع في يقين أن هذا الكتاب الفذّ من لدن حكيم حميد. وأنه المعجزة الخالدة الكبرى التي تظلّ مسطورة في ضمير الوجود لتقف على فيض منها أذهان المستبصرين النابهين كلما عاودوا تلاوته في تدبّر واستبصار.



والله وحده المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.


مدخل إلى إعجاز القرآن الكريم
***********************

مما لا شكّ فيه أنه ما من كتاب ظهر على وجه الأرض منذ أن خلق الله السماوات والأرض ومن فيهنّ، قد حظي باهتمام كبير ونال مكانة في نفوس الخليقة، مثل ما حظي به القرآن الكريم. حيث ترك أثره في تصوّرات الإنسان وفكره ومعتقده، ولم يترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وتناوله بالبيان الواضح الذي لا غموض فيه.



ولذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب العظيم في القديم والحديث، وألّفوا حوله الآلاف المؤلّفة من الكتب والدراسات، مستعينين في ذلك بما قاله منزّله سبحانه وتعالى من أوصاف وخصائص، وبما أخبر به أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم.



وأنت لو تدبّرت هذا الكتاب المجيد، فلن يخفى عليك أن فيه من أبواب العلوم، ما إن انفتحت لك، وأطلقت عقلك ليرتع فيما شاء منها، لخرجت منه بمعارف، ما لو أمضيت الدهر كله لتغتنمها من غيره، لما تحقّق لك مرادك. فالقرآن أُنزل فيه كل علم، وبُيّن لنا فيه كل شيء(1). ولو أغفل الله تعالى شيئًا فيه، "لأغفل الذرّة والخردلة والبعوضة"(2).



وقد صنّف علماؤنا ما لا يُحصى من العلوم القرآنية، وأفردوها في كتب ورسائل عظيمة، وبسطوها بسطًا وفيرًا، ليس من غرضنا أن نستقصيه في هذا البحث المتواضع. على أنه من العلوم التي حازت نصيبًا كبيرًا من تراث علمائنا الفكري، والذي حشد له علماؤنا جهودًا جبّارة، وقدّموا عليه أدلّة عظيمة، كان علم إعجاز القرآن.



ومع أن كلمة "إعجاز" لم ترد في القرآن العظيم، ولم يحدّثنا التاريخ عن مصنّفات لهذا العلم في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، إلا أن التأليف فيه برز بكثرة في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة النبوية المباركة(3). وذلك أنه بتوالي الأزمان، وازدياد اختلاط العرب بثقافات الأعاجم، فقد ظهر مِن الملحدين مَن أثاروا شكوكًا حول القرآن، وسدّدوا نحوه بعض المطاعن، ولَغَوْا فيه، ثم قَضَوْا عليه بالإختلاف، والإستحالة في اللحن، وفساد النظم، والتناقض..



فتصدّى علماء المسلمين لهذه التيارات الفكرية الملحدة، وقدّموا الأدلة الراسخة والبراهين الدامغة على أن القرآن الكريم "معجز". هو كذلك، لأنه أوقع بالمنكرين العجز والضعف والقصور، فلم يستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثله، ولا حتى الإتيان بسورة واحدة من مثله. فدلّ على أنه كلام الله تعالى، أوحاه إلى قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.



وعلى هذا، فإن المعجزة مأخوذة من العجز. وهو في اللغة: التأخّر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر، أي مؤخّرته(4)، وصارت إسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضدّ الحزم والقدرة(5). وقد وضع العلماء لها شروطًا، منها: أن تكون أمرًا خارقًا للعادة، مقرونًا بالتحدّي، وسالمًا عن المعارضة(6). فهي إذن كل أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدّعي النبوّة عند تحدّي المنكرين، على وجه يعجزهم عن الإتيان بمثله(7).



ومن المعلوم في تاريخ الأديان أن كل رسول كان يحمل بين يديه آية معجزة إلى قومه، يلقاهم بها متحدّيًا، لتكون هي دليله القطعيّ على أنه مبعوث من عند الله سبحانه وتعالى. فالمعجزة برهان من الله يؤيّد بها رسوله المبعوث لإثبات مصداقيّة المنهج الذي يحمله. وهي إما حسيّة وإما عقلية(8).



فالمعجزات الحسيّة هي كل ما أوتيه الأنبياء من آيات قبل نزول القرآن، كناقة صالح، وعصا موسى، وإحياء الموتى بإذن الله على يدي عيسى، عليهم الصلاة والسلام. وسُميّت هذه المعجزات بالحسّية لأنها انقرضت بانقراض الأجيال المعاصرة لهؤلاء الأنبياء، فلم يشاهدها بالأبصار إلا مَن حضرها. وأما المعجزة العقلية فهي متمثّلة في القرآن الكريم، لأنها مستمرّة إلى يوم القيامة، فلا يمرّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء يدلّ على صحّة دعواه، فيبقى معجزة مشاهَدة بعين العقل لكل عصر ولكل جيل.



وقد تسأل فيما أسلفنا عن أمرين، الأول: إذا كان القرآن كتابًا سماويًا، فما الوجه الذي يفرقه عن غيره من الكتب السماوية؟ أو لماذا كان القرآن معجزًا، دون سواه من هذه الكتب؟ والثاني: إذا كان القرآن معجزًا، فما السبيل إلى معرفة وجه إعجازه؟ وما الحدّ الأدنى لمقدار الإعجاز فيه؟



أما الجواب عن السؤال الأول، فمن عدّة وجوه، أهمّها يكمن في الفرق بين المعجزة والرسالة. فالرسل عليهم السلام بعثهم الله لهداية أجيال محدّدة، في أزمان محدّدة، وأماكن محدّدة، وأيّدهم برسالات تكون هي منهج الحياة والتشريع، ثم أيّدهم في الوقت نفسه بالمعجزات، لتكون دليلاً على صدق دعواتهم. فمعجزات موسى وعيسى عليهما السلام شيء، ومنهجهما، المتمثّل في التوراة والإنجيل، شيء آخر. أما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد بعثه الله تعالى هدًى ورحمة للعالمين، مؤيَّدًا بالقرآن ليكون المنهج القويم والتشريع الخالد لأمم العالم أجمعين، وليكون في الوقت نفسه المعجزة الخالدة إلى يوم الدين، فهو إذن معجزة ومنهج في آن واحد.



وأما الجواب عن السؤال الثاني، فهو أن قضية الإعجاز قد فرضت نفسها من قديم على السلف من علماء المسلمين، كما ذكرنا، إلا أن أقوالهم تعدّدت في وجوهها. وأيًا ما قالوا فيها، فالذي لا ريب فيه هو أن إعجاز القرآن من جهة البلاغة والفصاحة، لم يكن قطّ موضع جدل أو خلاف(9)، وإنما كان الجدل بين أهل النظر في اعتباره معجزًا في غير ذلك من مختلف الوجوه(10).



ففي حين أن طائفة من العلماء اقتصرت إعجاز القرآن على بلاغته وفصاحته، رأت طائفة أخرى أن القرآن معجز أيضًا فيما تضمّنه عن الأخبار الماضية والمستقبلية. ورأت طائفة أخرى أنه معجز فيما قرّره في تشريعه، وتبيينه للحلال والحرام وسائر الأحكام. ورأى آخرون أن من إعجاز القرآن المناسبات العجيبة بين سوره وآياته من فواتح السور وخواتيمها. ورأى البعض أن القرآن معجز فيما تضمّنه من العلوم والحِكم البليغة على اختلافها.. حتى أن بعضهم ذكر أربعين وجهًا من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم(11).



وعلى كل، فإن المتأمّل في الأدلّة والبراهين المتعدّدة التي قدّمها علماؤنا لإظهار إعجاز القرآن، يجد فيها من البيان وتوافر شواهد الصدق ما يكفي لإقامة الحُجّة على الناس، بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من كلام بشر، وإنما تنزيل من العزيز الحكيم سبحانه.



ولعلّ الإختلاف الظاهر بين العلماء حول وجوه الإعجاز يكمن في حقيقة أن دراسة النصّ القرآني الكريم قد تأثّرت _ من حيث النشأة وامتداداتها _ بالمناخ الثقافي السائد في كل عصر وزمان. فما من شكّ أنه بدوام اتساع دائرة المعارف الإنسانية، وتكرار تأمّل المتأمّلين في هذا الكتاب العظيم، وتدبّرهم لآياته عصرًا بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، يفتح الله تعالى على العلماء باكتشاف حقائق ومستجدّات، لم يتنبّه إليها المتقدّمون من السلف(12).



فالقرآن معجزة تخاطب كل عصر بما برع فيه أصحابه، ولذلك يبقى عطاؤه دائمًا لا ينقطع، ليجد فيه كل جيل حاجته ومحجّته. قال تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾(13). حقًّا! فلو كانت بحار الدنيا حبرًا ومدادًا، وكُتبت به كلمات الله وحِكَمه وعجائبه، لفني ماء البحر على كثرته وانتهى، وكلام الله لا ينفد، لأنه غير متناهٍ، كعلمه سبحانه وتعالى. وفي هذا يقول الزرقاني: "لقد اشتمل القرآن على آلاف من المعجزات، لا معجزة واحدة فحسب. فلم يذهب بذهاب الأيام، ولم يمت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو قائم في فم الدنيا يجابه كل مكذّب، ويتحدّى كل منكر، ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية وتشريعات ونظم تكفل السعادة لبني الإنسان"(14). ولذلك نجد أن دائرة الإعجاز القرآنية تتجلّى عبر الأزمان بأوجه مختلفة ومتعدّدة، "بحيث لم يجد العلماء موضوعًا من مواضيع المعرفة الإنسانية، إلا وكان القرآن عليه دليلاً"(15).



وإن في هذا التعليل نكتة ذات أهمية بالغة، نحسبها السبب الرئيس في إقرار العلماء بأن "علوم القرآن وإن كثر عددها وانتشر في الخافقين مددها، فغايتها بحر قعره لا يُدرك، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أن يُسلك. ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"(16). وأنت تتبيّن هذه الحقيقة إذا تأمّلت كتب الإعجاز في القرآن قديمًا وحديثًا، وإذ ذاك سيلفت انتباهك تصريح كل مؤلّف فيها، أنه جاء بشيء جديد، لم يسبقه إليه أحد من قبل.

ملائمة القرآن لكل زمان ومكان
**********************
كان كل عالِم يُقبل على مسألة الإعجاز كأنها لم تُعرض من قبل، فيقول فيها كمن يرى الميدان خاليًا ليس فيه دليل، ثم يقول في غير الجهات التي كتب فيها مَن قبله، ومِن بعد أن ينهي مناقشته، يظنّ أنه قطع قول كل باحث، وجاء في أمر قصر عنه مَن سبقه ومَن سيلحقه، فيستريح مِن حيث يظنّ أنه أفحم الأوائل والأواخر. ثم ما يلبث الزمن إلا أن يأتي عالِم آخر، ليستدرك ما فات الذي جاء قبله، فيوجّه أنظار الباحثين إلى مواضع جديدة وغير معهودة من الإعجاز القرآني الجليل 1 .



وما أن يظنّ هذا الأخير أنه أغلق باب الإعجاز من جديد، وأنه قال فيه الكلمة الأخيرة، إلا أن يشاء الله لعالِم آخر بالكشف عن المزيد من عجائب هذا الكتاب العظيم، فيصير الأخير هو الأول، الذي ترك لنا ما ترك، وهكذا.. يبقى الإعجاز القرآني قائمًا في كل عصر، لا يُختصّ به أهل زمان دون زمان. ذلك أن الله سبحانه وتعالى أيّد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بمعجزة، هي "على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة، وعلى مرّ الشهور والسنين دائمة" 2 .



ولعلّ في هذه المقدّمات نكتًا جليلة، تنكشف لك إذا أمعنت فيها النظر. فبعد أن حدّد علماؤنا أسباب عجز البشر عن محاكاة القرآن من أوجه مختلفة، وانتهوا من المناقشة إلى ذات النتيجة الحتمية _ أن القرآن ليس من مصدر بشري _ يتّضح لك أن هذا الكتاب العظيم قد حوى الحقيقة المطلقة للوجود، وهو في الوقت نفسه يحوي الحقيقة النسبية التي يفهمها العالِم الباحث بحسب المناخ الثقافي الذي يعيش فيه.



فكون القرآن الكريم حاويًا للحقيقة المطلقة، وللفهم النسبي لهذه الحقيقة في آن واحد، يدلّ على إحكام ما بعده إحكام، ولا يمكن لأي كان من جنّ أو إنس أن يأتي بمثله، وهو لعمري الإعجاز بعينه!



ذلك أن التناسق المطلق بين الصياغة اللّغوية العلمية الموضوعية، وبين الصياغة الأدبية الخطابية التي يتحلّى بها القرآن، يضفي إلى هيكله بُعدًا عجيبًا يتمثّل في أن ألفاظه تبقى كلها حاملة لهذه المعاني المتعدّدة، لتلائم كل زمان ومكان، وذلك مهما تعدّدت أقوال العلماء وآراء الباحثين، ومهما تنوّعت مفاهيمهم وإشاراتهم.



فأنت إذا نظرت إلى الكلمات القرآنية بعين بصيرة تجد أن هذا الكتاب العظيم ينتقي دائمًا من الألفاظ ما هو أغناها بالدلالة، ويختار من أدوات التعبير ما يعطيك من المعنى ما هو دائمًا متجدّد متدفّق، بحيث يسع وجهات النظر المختلفة. "وهكذا يُخيّل إليك أنك قد أحطت خُبْرًا به، ووقفت على معناه محدودًا، ولو رجعت إليه كرّة أخرى لرأيتَك منه بإزاء معنى جديد، غير الذي سبق إلى فهمك أول مرّة، وكذلك حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدّة. كلها صحيح أو محتمل للصحّة، كأنما هي فصّ من الماس يعطيك كل ضلع فيه شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدري ما تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلّك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى فيها أكثر مما رأيت. وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يُسّر له، بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال" 3 .



ويستتبع هذا الحديث ما بيّنه أيضًا الدكتور فاضل السامرّائي بقوله: "إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازًا لغويًا جماليًا، وترى فيه في الوقت نفسه إعجازًا علميًا، أو إعجازًا تاريخيًا، أو إعجازًا نفسيًا، أو إعجازًا تربويًا، أو إعجازًا تشريعيًا، أو غير ذلك. فيأتي اللغوي، ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي، وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى، ولا تقديم ما أُخّر أو تأخير ما قُدّم، أو توكيد ما نُزع منه التوكيد، أو عدم توكيد ما أُكّد. ويأتيك العالِم في الطب ليقول من وجهة نظر الطب، ألطف وأدقّ مما يقوله اللغوي. ويأتيك العالِم في التشريع، ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون. ويأتيك المؤرّخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم، ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه.." 4 .



ولذلك تظلّ الأجيال تتوارد على هذا الكتاب العجيب جيلاً بعد جيل، كلّما حسب جيل أنه بلغ منه مبلغًا، امتدّ الأفق بعيدًا وراء كل مطمح وفوق كل طاقة. ويبدأ الجيل اللاحق حيثما انتهى السلف، الذين خلفوا لنا عبر تراثهم العلمي النادر علامات تضيء الطريق لمسيرة علمية، لا تنتهي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وانطلاقًا من ذلك الفهم، فإننا نرى أن المستقبل القريب سيكون له حتمًا حظًا عظيمًا في تبيان وجه جديد من أوجه الإعجاز القرآني، لم يتطرّق إليه القدماء من العلماء إلا من رحم ربي، حيث بدأ يظهر لنا في عصرنا الحديث، وبدأت تتجلّى لنا دلالاته يومًا بعد يوم، وفتح الله علينا بالكشف عن جزء من أسراره في هذا الكتاب، ونرى أن المستقبل سيظهره على شكله الكامل، ليكون حُجّة متجدّدة وبرهانًا مطلقًا على صدق القرآن الكريم، وعلى صدق من بُعث به، وليؤكّد للعالم أجمع وبصورة مطلقة أن القرآن هو كلام الله العزيز الحكيم، وأنه لا ولن يستطيع أحد أن يأتي بشيء من مثله.



فبعد أن بلغت البحوث العلمية أوجها في القرن الماضي، واكتشف العلماء حقائق قد أشار إليها القرآن الكريم قبل ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام في مختلف العلوم، انتقلت هذه البحوث في هذا العصر إلى محاولة الكشف عن الأسرار الكامنة في السنن والقوانين الإلهية، التي تحكم كلاً من عالمي الجماد والأحياء. فلا نجد اليوم عالِمًا إلا وهو يعلن أنه على وشك الكشف عن "الشيفرة الوراثية" أو "الشيفرة الكونية" أو "شيفرة الحياة".. بحيث أصبح مصطلح "الشيفرة" من التعابير العلمية الحديثة، التي ترتكز أساسًا على علم الأعداد والأرقام والإحصاء. ولذلك نجد أن الإعجاز القرآني المتجدّد، يتحدّى بكل عظمة وثبات ما يُعتبر اليوم في الأوساط العلمية بـ"إله العصر الحديث"، ألا وهو علم الرياضيات. فكما أن القرآن الكريم يخاطب أهل كل عصر بلغتهم، أي بمستوى العلوم التي احترفوها، وبما أن لغة هذا العصر هي الرياضيات، كما سنوضّح قريبًا، فإن هذه اللغة ستري أهل العصر الحديث أن القرآن ليس من وضع بشر، إنما هو وحي إلهي، أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.



ومع أننا لا أذهب مذهب بعضهم، بأن الإعجاز العددي هو الوجه في إعجاز القرآن، إلا أنه يشكّل بنظرنا وجهًا عظيمًا من وجوهه. ولعلّ الفرق بينه وبين أوجه الإعجاز الأخرى، أنه لا تختلف فيه نتيجة الآراء، ولا تتعدّد حوله الإتجاهات. فهو ليس بتفسير أو تأويل تتعارض فيه الإجتهادات، وتتباين له النظريات، ولكنه حساب وأرقام. وحقائق الحساب دائمًا قاطعة، وشواهد الأرقام أبدًا دامغة حقًا وصدقًا، لكل ما تتضمّنه من طلاقة في فهم هذه الحقائق. في حين أن أوجه الإعجاز القرآني، وخاصّة البلاغيّ منها، تتطلّب معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق والأرشق، والجليّ والأجلى، والعليّ والأعلى من الكلام، "وهذا أمر لا يُدرَك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه" 5 . ناهيك أن العرب اليوم قد فقدوا إضافة إلى هذا التعليل الحسّ اللغوي تمامًا.



ومن ثمّ، فإن أداة التعبير الرقمي ليست بدعًا من العلوم، بل كانت هي الوسيلة التي كشفت بحقّ عن جمال القوانين التي يخضع لها النظام الكوني بموازينه الدقيقة، وانسجامه الفائق. فهذا النظام المهيمن على مركّبات الكون المختلفة يفرض نفسه من خلال علاقات رياضية قائمة بين عناصرها. وإن التعبير عن هذا الإنسجام بواسطة المعادلات الرياضية قد شهد بنفسه على أن الكون وما فيه، لا بدّ أن يكون من صنع واحد أحد، ونبّه القلوب إلى أن خالقه هو المبدع والمبديء والمعيد، وأثبت عظمة الخالق الذي أتقن كل شيء صنعه.



ولا جَرَم أن الأرقام والأعداد في هذه المعادلات هي بمثابة الخيوط الموصلة التي تربط بين عناصر تصميم "الرسالات المرموزة"، التي بدأت تنكشف بفضل الله تعالى وبعونه. وإن ما سنلقي عليه الضوء هنا قد يمهّد مسلكًا جديدًا لمحاولة فكّ رموز هذه الرسالات الكونية من خلال العلم الإلهي الكامن في القرآن الكريم، والذي حتمًا سيفرض نفسه بنفسه على الإنسان. إذ ليس بصدفة أن يمنّ الله على البشرية بالكشف عن هذا الإعجاز المتجدّد في عصرنا الحديث. وما نصّ هذه الرسالة وفحواها إلا تعزيزًا وتثبيتًا للمبدأ الكوني القائل، أن لا إله إلا الله، هدف الخلق كله، وأنه هو وحده أحقّ بالألوهية والعبادة دون سواه.

وإنه لمن السهل على القاريء أن يتفهّم أن كل الأعمال المطروحة هنا، ما هي إلا الجزء الظاهر من جبل عائم من العلم. وأن هذا العلم لا حدود له، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ 6. وإنه لتنقصنا الأقلام والأوراق، لو حاولنا أن نشهد ملمّين بكل ما آتانا الله من فضله. ولكن كلّما تقدّم علمنا وازدهرت معارفنا، فيزداد رقيّنا في إدراك الروابط بين العناصر الكونية والعناصر القرآنية. ولا يخفى على ذوي العلوم أن هذا الأمر قد بدأ يتحقّق بعونه تعالى، وذلك بعد أن أصبحت غاية العلماء اليوم هي الوصول إلى ما يسمّونه بـ"المعادلة الكونية"، التي يأملون عن طريقها تفسير "كل شيء" في الوجود 7 .



وعلى هذا، فقد قمت في هذه الرسالة بربط مجموعة من الملاحظات، لأبرهن للقاريء أن الحقائق المتحصّلة هنا، لا تترك مجالاً للشكّ في أن الموازاة بين الدلائل الكونية والدلائل القرآنية، قد شكّلت أعظم دليل وأصدق برهان على أن خالق هذا الكون، هو ذاته المتكلّم في القرآن الكريم. وأملي أن تكون الصفحات التاليات بداية لدراسات أعمق، أتوقّع أن تكشف من إعجاز هذا الكتاب العظيم في هذا الباب ما يقوم دليلاً بين أدلّة تترى، تضفي إلى القناعة المطلقة بأن هذا الكتاب من عند الله جلّ وعلا.



ولكن قبل أن نتوسّع في كلامنا عن الإعجاز العددي ونشأته وتطوّره وفوائده، علينا أن ننوّه ببعض الإشارات على الحكمة والدلالة التي نشاهدها في التناظر العجيب بين العناصر القرآنية والعناصر الكونية، وكيف أنها تفتح لِمَن تدبّرها نوافذ إيمانية، قد يصل من خلالها إلى نور معرفة الحقّ سبحانه وتعالى من مسامات الدلائل والبراهين، ومرايا الآيات والشواهد، التي فيها من الفذلكات والنقوش العجيبة، الدالّة على أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى

المحاسبة والتقدير في القرآن الكريم
***************************
لقد احتلّت العلوم الرياضية والحسابية مركزًا عظيمًا في الحضارة الإسلامية، وأعارها المسلمون اهتمامًا بالغًا، فكان لعلم الحساب فضيلة كبرى منذ القدم. يقول الجاحظ بعد أن قدّم الدليل على فضيلة هذا العلم، وعظم قدر الإنتفاع به، من قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ 1 ، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾2 ، وقوله جلّ وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ 3، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ 4 يقول: "الحساب يشتمل على معانٍ كثيرة ومنافع جليلة، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا، لما فهموا عن الله عزّ وجلّ ذكره معنى الحساب في الآخرة" 5



ولذلك، فليس من المصادفة أن يركّز الوحي الإلهي على المحاسبة والتقدير في العديد من آياته الكريمة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ 6 وقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ 7 وقوله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ 8 وقوله جلّ جلاله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ 9 وقوله عزّ من قائل: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ 10. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾11. وقوله أيضًا: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ 12



فآيات المحاسبة والتقدير، وما يكمن فيها من تهيئة دقيقة لهذا الوجود، وتأليف أجزائه، ونظمها على ما هي عليه، تشكّل أعظم العبر والأدلّة على وجود الخالق سبحانه وتعالى. ذلك أن التناسق البديع والإنتظام الكامل في صنعة كل شيء في الوجود، والتسوية والتقدير فيه والهداية لكل مخلوق، وكذا، منح كل شيء وجودًا بموازين دقيقة، وبمقاييس خاصّة، وإلباسه صورة معيّنة، ووضعه في موضع ملائم.. كل هذا وذا إنما يدلّ على أن الأمور تؤدَّى بحكمة مطلقة، وأن العالَم مخلوق بتقدير ونظام وملاءمة، وأن الخالق له واحد سبحانه، ألّفه ونظّمه بعضًا إلى بعض، ووضع لكل شيء فيه موازين دقيقة لا تحيد عنها ذرّة ولا مجرّة.



وكما أنه سبحانه وتعالى وضع كل شيء في الكون الذي نعيش فيه بميزان 13 ، فقد أخبرنا جلّ شأنه أنه أنزل كتابه الكريم أيضًا بـ"الحقّ والميزان" 14 . يقول الرافعي معقّبًا على كلمة «الميزان»: "هذه الكلمة وحدها في وصف القرآن معجزة. فقد أثبتت كل العلوم أن الميزان أصل الكون، وأن كل شيء بقدر ونسبة. وعَطْف الميزان على الحقّ في وصف القرآن مما يحيّر العقول، لأن أحدهما ممّا يلينا خاصّة، والآخر ممّا يلي الكون عامّة، حقّ لا يتغيّر ولا يتبدّل، وميزان لا يُغَيَّر ولا يُبَدَّل" `15 فمن الواضح إذن أن الله سبحانه وتعالى قدّر قوانين الكون بنسب دقيقة لا تتبدّل، كما أن كلماته عزّ وجلّ جاءت في القرآن العظيم بنسب دقيقة لا تتبدّل. ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾ 16 في الكون المخلوق، و﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ 17 في القرآن المقروء.



وكما أن كل صغيرة وكبيرة في الكون تدلّ على آيات التوازن والإستقرار، حيث هيّأ لها المولى تبارك وتعالى الثبات على نظم محكم دون أن يتسرّب إليها خلل ولا فساد، كما وصفها بقوله سبحانه: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ 18 فكذلك هو الحال في كل سورة وآية وكلمة، بل وكل حرف في القرآن، حيث تدلّ جميعها على أن الله تعالى أنزله ﴿ قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ 19 ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ 20



وإن في هذا التناظر بين الميزانين القرآني والكوني فوائد جمّة، أهمّها بنظرنا معرفة الأداة المشتركة التي تكشف عن جمال كل منهما. فأنت إذا أمعنت نظرك في هذا التناظر العجيب، تدرك بعين بصيرة كيف أن الكون يسجّل وصفًا دقيقًا لما تحمله كلماته تعالى في القرآن الكريم، وتعي أن الذي وضع الكون من أجلك، هو ذاته المتكلّم في القرآن سبحانه.



ومن ثمّ، فلقد بات من المعلوم اليوم أن الأداة التي كشفت عن جمال القوانين في التهيئة الدقيقة لهذا العالَم، هي أداة التعبير الرقمي. حيث اتّضح للمتدبّرين في أمر الكون وأسراره أن النظم المهيمن على مركّباته، يفرض نفسه من خلال علاقات رياضية قائمة بين عناصره.



والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام، هو: هل يمكن لهذه الأداة، أي أداة التعبير الرقمي، أن تكشف لنا من علمائنا عن جمال خفي في كتاب الله العزيز؟ وإن طرح مثل هذا السؤال ليس بالأمر الإعتباطي، من حيث أن الحافز الرئيسي الذي جعلنا نطرحه، يتعلّق بالدرجة الأولى بأسماء الله الحسنى: المحصي والمقدّر والحسيب. فمن المعلوم أن أسماءه تعالى وصفاته الكريمات، مثلما تتجلّى لنا في الكون، فهي كذلك تتجلّى في القرآن الكريم.



يقول الإمام النورسي عن تجلّي أسماء الله الحسنى في الكون: "يتجلّى عنوان من عناوين إسم من الأسماء الحسنى، في كل عالَم من عوالم الكون، وفي كل طائفة من طوائفه. ويكون ذلك الإسم حاكمًا مهيمنًا في تلك الدائرة، وبقيّة الأسماء تابعة له هناك، بل مندرجة فيه" 21 ، ويقول الإمام ابن قيّم الجوزية عن تجلّي أسماء الله الكريمة في القرآن: "القرآن كلام الله، وقد تجلّى الله فيه لعباده بصفاته" 22



ومن المعلوم أيضًا أن لكل كمال، ولكل علم، ولكل تقدّم، ولكل فنّ أيًا كان حقيقة سامية عالية. وأن تلك الحقيقة تستند دائمًا إلى إسم من أسماء الله الحسنى، وباستنادها إلى ذلك الإسم، الذي له حُجُب مختلفة، وتجلّيات متنوّعة، ودوائر ظهور متباينة، يجد ذلك الفنّ وذلك الكمال وتلك الصنعة، كل منها كماله، ويصبح حقيقة فعلاً.



فالهندسة مثلاً علم من العلوم، وحقيقتها وغاية منتهاها هي الوصول إلى إسم العادل والمقدِّر من الأسماء الحسنى، وبلوغ مشاهدة التجلّيات الحكيمة لذلك الإسم، بكل عظمتها وهيبتها في مرآة علم الهندسة. والطب هو علم ومهارة ومهنة في الوقت نفسه، ومنتهاه وحقيقته يستند أيضًا إلى إسم من أسماء الله الحسنى وهو الشافي. فيصل الطب إلى كماله ويصبح حقيقة فعلاً بمشاهدة التجلّيات الرحيمة لإسم الشافي في الأدوية المبثوثة على سطح الأرض الذي يمثل صيدلية عظمى.



وكذلك العلوم التي تبحث في حقيقة الموجودات، كالفيزياء والكيمياء، والتي هي حكمة الأشياء، يمكن أن تكون حكمة حقيقية بمشاهدة التجلّيات الكبرى لإسم الله الحكيم جلّ جلاله في الأشياء. وبرؤية هذه التجلّيات في منافع الأشياء ومصالحها، تصبح تلك الحكمة باستنادها إلى ذلك الإسم الحكيم حكمة حقًا 23



ثم قِِس من هذه الأمثلة على بقية العلوم والفنون، فكل إسم من أسماء الله الحسنى يتجلّى فيما يناسبه من العلوم والفنون. وبما أن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة هي القرآن، ولأن حقيقة تعليم الأسماء تتجلّى فيه بوضوح تامّ، وبتفصيل دقيق، فإنه يبيّن الأهداف الصائبة للعلوم الحقّة وللفنون الحقيقيّة، فيسوق البشر إليها ويوجّههم نحوها، مثيرًا فيهم رغبة شديدة فيها.



ومن هذا الفهم والمنطلق تساءلنا عن كيفيّة تجلّي أسماء الله تعالى الكريمة: المحصي والمقدّر والحسيب، في كتاب الله العزيز. فلا بدّ إذن من علاقة وطيدة بين نظم الكون الذي يتجلّى بالموازين الدقيقة، والتقدير المحكم، والمحاسبة الفائقة، في تهيئته العظيمة، وبين نظم القرآن المجيد.



ومن هنا كان الأصل في توجّهنا عند اختيارنا لمعالجة ما نسمّيه بالإعجاز العددي، إذ هو يهدف بالدرجة الأولى إلى تعريف القاريء على هذه الأسماء الجليلة، التي فيها رذاد فوّاح من ماء الحياة للهداية الإلهية، وبعض شرارات من بوارق إعجاز القرآن العظيم. ومع هذا وذاك، فلا تحسبنّ أن في بحثنا هذا تقديسًا للأعداد، كما جعله البعض محور بحثه. فنحن نبحث هنا عن الأعداد لا للأعداد، ولا عن ماهيّتها، بل نبحث عن التناسق والإنتظام، الذي تجلّيه هذه الأعداد في القرآن، وذلك بالطريقة التي يتّبعها القرآن الكريم في بحثه لموضوعاته المطروحة.



فالقرآن يبحث عن الشمس مثلاً لا للشمس، ولا عن ماهيّتها، بل لمَن نوّرها وجعلها سراجًا، وعن وظيفتها بصيرورتها محورًا لانتظام الصنعة ومركزًا لنظام الخلقة، وذلك ليعرّفنا بإراءة نظم النسج وانتظام المنسوجات، كمالات فاطرها الحكيم وصانعها العليم. فهو يفهّمنا بها، وينبّهنا إلى تصرّفات القدرة الإلهية العظيمة في اختلاف الليل والنهار، وتناوب الصيف والشتاء. وفي لفت النظر إليها تنبيه السامع إلى عظمة قدرة الصانع، وانفراده في ربوبيّته.



فما الإنتظام والنظم إلا مرايا معرفته سبحانه وتعالى. وكذلك هو الأمر بالنسبة للأعداد والأرقام والإحصائيات، التي سنقوم بعرضها في الأبحاث القادمة. إذ إن الغرض منها ليس إلا تنبيه القاريء الكريم إلى عظمة منزّل القرآن العظيم، وانفراده في حفظه لكتابه سبحانه وتعالى.

***********************










صورة



الاربعاء يونيو 13, 2007 1:48 pm
لمحة العضو
مشرف
مشرف
رموز المستخدمين

اشترك: السبت مارس 24, 2007 8:02 am
مشاركات: 940
الموقع: U.S.A **جزائري**
مشاركة أبحاث متعلقة بالإعجاز العددي في القرآن* 2 *
صورة

2)-مدخل إلى الإعجاز العددي
********************

*الإعجاز العددي عند السابقين
----------------------------------
الإعجاز العددي عند السابقين

يعالج الإعجاز العددي ما ثبت من الدراسات القرآنية الحديثة بأن مكوّنات القرآن الكريم، من سور وآيات وكلمات وحروف، ترد جميعها بأعداد مقدّرة ومحدودة ومقصودة، ولحكمة لا يعلمها ولا يحيط بكنهها إلا الله سبحانه وتعالى؛ فمكوّنات القرآن العظيم منتظمة ومرتبطة بعضها ببعض ليس في التعبير والبلاغة.. فحسب، وإنما بنظم عددي عجيب، إذا قمتَ بتغييره أو المسّ فيه، خرجتَ من القرآن إلى غير قرآن. وكما يبيّن الإسم، فإن هذا الوجه من أوجه الإعجاز يعتمد على الأعداد والأرقام.

والأعداد والأرقام من علوم الحساب القرآنية التي أشار الباحثون إلى وجودها منذ القرون الأولى للإسلام. إلا أن أمرها اقتصر في بحوثهم على عرض ملاحظات أولية، كعدد السور والآيات، أو الحروف والكلمات، وغير ذلك مما أمكنهم واسترعى أنظارهم. ولذلك بقيت الأعداد في القرآن الكريم تحت غطاء الحكمة الإلهية، منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. حيث أُغفلت أكثر نتائج البحوث المتقدّمة في بداياتها، ولم يُقدّر لها أن تتقدّم وتتطوّر، كغيرها من الفروع العلمية. ومن الملاحظ أن تعطيل مثل هذه البحوث يرجع في الأساس إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

أولها: تشكيك بعض أهل العلم في الفائدة منها، كالإمام السخاوي رحمه الله تعالى، حيث يقول: "لا أعلم لعدّ الكلمات والحروف من فائدة، لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان. والقرآن لا يمكن فيه ذلك"(1). وسيأتي الكلام على ضعف هذه الدلالة، التي لا توجب تعطيل أي بحث كان، بحُكم عدم العلم فيه. فالمعارف الإنسانية في تطوّر مستمرّ، وما لم يعلمه جيل معيّن في عصر معيّن، ليس بالضرورة أن ينفي عدم المعرفة عند أجيال لاحقة. قال السيوطي: "إن العلوم وإن كثُر عددها، وانتشر في الخافقين مددها فغايتها بحر قعره لا يُدرك، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أن يُسلك، ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"(2).

وثانيها: عدم فهم المقصود من هذا البُعد العددي، إذ ردّه بعض العلماء بدعوى أنه أمر يفوق طاقة البشر، وأن فيه فجوات ومهلكات مليئة بالخطر. فحذّروا من الخوض فيه، واكتفوا بردّه إلى الله تعالى، ورأوا ألا يبحثوا فيه ما لم يأتهم عنه علم، وما لم يحيطوا بأمره على بصيرة ويقين. يقول الدكتور فهد الرومي، بعد قراءته لبعض المقالات في الإعجاز العددي: "بقي أن أقول إن هذا الإعجاز _ أي العددي _ ما زال بحرًا مظلمًا فيه فجوات وفيه مهلكات، فالحذر الحذر من أن تقودنا العاطفة إلى المهالك.. ولنحذر أن نقع في هذه الأمور حتى تنبلج الحقيقة ويشرق ضوؤها وحينئذ فليتّجه إليها المؤمنون فهي ضالّتهم، ومن اتّبع الأوهام وقع في المهالك"(3). ونحن لا ننكر هذا القول الجميل، لعالِم يعلم ما يقول. على أنّا نرى أن هذه الحقيقة راحت تنبلج فعلاً، وأن هذا الإعجاز القرآني المتجدّد بدأ يتبيّن للناس على حقيقته، وأشرقت في الآفاق أنواره، ليظهره الله تعالى على الناس بمزيد من دلالاته وبراهينه، وليؤكّد قطعيًا ونهائيًا أن النظم العدديّ في القرآن الكريم علم قائم بذاته، وأنه سيكون من حُججه تعالى لكتابه في هذا العصر والعصور القادمة إن شاء الله جلّ جلاله!

وثالثها: أن جماعة من الذين يدّعون الإنتساب إلى هذه الأمّة، قد اشتطّ بهم الغلوّ، وطغى عليهم روح التحيّز والحيف، فجاؤوا بشبهات كثيرة، وتمحّلوا أمورًا لا تُرتضى ولا تصحّ في سبيل إثبات صحّة هذا الوجه من أوجه الإعجاز، كما سنبيّنها في موضعها إن شاء الله تعالى. فلا جَرَم أننا نحذّر أيضًا من هؤلاء، الذين لا يستقيم لعملهم عقل ولا وزن، وإنما يقومون بابتداع حسابات وأقاويل لا تقوم إلا على المزاجية والهوى. إذ المهمّ عندهم أن تكون نتيجة أيّة عملية حسابية يقومون بتطبيقها على النصوص القرآنية، أن تكون هذه العملية موافقة لما يذهبون إليه. حتى وصل الحدّ بأحدهم إلى حذف آيتين من آيات القرآن المجيد، لتستقيم حساباته وتتّفق مع مذهبه(4)، والعياذ بالله. على أن من يتأمّل في هذه الشّبهات بعين بصيرة، يرى أن كثيرًا منها لا أساس له، وأنها لا ترتكز على حجج مبينة، وأن لا علاقة لها بالإعجاز العددي إطلاقًا، وأن بعضها ينمّ عن الجهل إن افترضنا حسن النيّة، ولا نظنّهم من الجُهّال.. أو هو يكشف عن روح حقد تتعمّد الإضلال، بإيراد شبهات يعلمون أنها باطلة، وأنها قد تجد رواجًا عند ذوي النفوس الضعيفة والعلوم القاصرة.

فلا يفوتنا أن كثيرًا من المغرضين اليوم يستغلّون حالة الجهل التي تعيشها الأمّة، فيقومون بحياكة شبهات، لا يجدها من اطّلع عليها إلا واهية، كبيت العنكبوت لا تصمد بإذن الله أمام الحقّ المبين. وكل ما علينا أن نتسلّح باليقين الذي يعصمنا من الشكّ والرّيب، وبالعلم الذي ينفعنا بإذن الله في ردّ ادعاءات المغرضين.

فالباحث عن الحقيقة في كتاب الله تعالى، لا تعنيه أبدًا إساءة استعمال هذه الحقيقة مِن قِبَلِ غيره، وتأويلها وفق أهواء التائهين، ولا يمنعه ضلال بعض المغرضين في تأويل حقيقة ما، من النظر إلى هذه الحقيقة بعين اليقين، ولا يدفعه ذلك إلى إنكارها والإعراض عنها، كما تهواها نفوس الملحدين والمستشرقين. ولا يمكن أن تحملنا إساءة بعضهم للإعجاز العددي، على معاداة هذا الوجه من أوجه الإعجاز بعينه، ولا أن تدفعنا أهواء بعضهم للإعراض عن تدبّر ما جاء في القرآن من حقائق بتعبيره.

بل على العكس من ذلك، فمن الواجب شرعًا على كل من آتاه الله تعالى دينًا وعقلاً أن يتصدّى لمثل هذه الإساءات، وأن يثبت بطلان ما أُلحق بهذه الحقائق من فساد التأويلات. ليشرق ضوؤها، فتُقام بها الحُجّة على المغرضين، ويُنتصر بها للمؤمنين، وعلّ الله تعالى يهدي بها مَن يبحث عن الحقيقة مِن التائهين والضالّين والكافرين. فالإعجاز العددي بات اليوم حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وسنقوم إن شاء الله في الأبواب القادمة ببرهنتها. ولكن لكي تتلمّس الطريقة في إدراكها، عمدنا في هذا الباب أن نتدرّج في استقصاء ما طالعناه من بعض المراجع والبحوث التي بحوزتنا، لتستدلّ به على غرضنا، وتصل به إلى مقصدنا، فتكتسب منه أسمى درجات الفوائد والمنافع البيّنة. وبما أنه لا وجود لعلم دون سوابق ومقدّمات تمهّد لنشأته وتأصيله، فقد رأينا أن نأخذ بيدك إلى نقطة البداية، وأن نبيّن كل أصل من أصول هذا الإعجاز ببيان وتوضيح حتى النهاية. سائلين الله تبارك وتعالى العون والتثبيت والدراية.

على الرغم من مواقف بعض العلماء تجاه الدلالة الكامنة في الحساب والأعداد، إلا أن الأوّلين لم يغلقوا أبواب التحرّي والبحث في هذا العلم، بل على العكس من ذلك، فإننا نجد أن المسائل الحسابية كانت نورًا يضيء على أحكام علمائنا منذ البداية. بيد أننا نميّز هنا بين نوعين من هذه المسائل: الأول، يأخذ من علم الحساب ركيزة له، والثاني، يعتمد على علم الإحصاء بغية الدلالة على شيء ما. أما النوع الأول من الحساب، فنجد أن منه ما ارتكز على نصّ قرآني صريح لتقرير حكم معيّن، وأن منه ما استدلّ به العلماء عن طريق عدّ بعض الكلمات والحروف لتحليل ظاهرة معيّنة، وأن منه ما استنبطوه من مواقع بعض السور القرآنية للدلالة على حدث معيّن. وأما اعتمادهم على الإحصاء، فمنه ما اقتصر على عرض ملاحظات أولية، ومنه ما أفاد للدلالة على مدى تأثير تكرار بعض الكلمات في نصّ قرآني معيّن.

فالحساب الذي ارتكز على نصّ قرآني صريح، نجد له مثلاً فيما رُوِيَ عن رجل تقدّم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمطلب إقامة حدّ الزنا على زوجه، حيث تزوّجها بكرًا من ستة شهور، فإذا بها تلد طفلاً كاملاً. وظاهرة ولادة الطفل الكامل قبل تسعة شهور لم تكن موجودة بين العرب. فطلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الرجل أن يتريّث لحين استفتاء مستشاريه في هذا الأمر الجديد، خاصّة وأن حدّ الزنا من حدود الله، ولكن شرط الشهود غير متوفّر في هذه القضية، وأما أن الطفل يُولد قبل موعده بثلاثة شهور فلا نصّ في ذلك. وما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن يلقي بالمشكلة إلى باب العلم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فجاءت الفتوى من علي بأن هذه السيدة التي ولدت طفلاً كاملاً في ستة شهور بريئة تمامًا، وذلك بنصّ آيتين كريمتين من القرآن العظيم، جاء في الأولى قول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ﴾(5)، وفي الثانية قوله جلّ وعلا: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾(6).

فإذا كانت مدّة الرضاعة حولين كاملين (أي أربعة وعشرين شهرًا)، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فالحمل فيها ستة أشهر. وبهذا الحساب القرآني قرّر القرآن أن الطفل يمكن أن يُولد بفترة حمل ستة شهور، وهكذا كانت الفتوى ببراءة السيدة من شبهة حدّ الزنا بنور الحسابات القرآنية(7). وفي هذا رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لستّة أشهر كفاها من الرضاع أربعة وعشرون شهرًا، كما قال تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ﴾. انتهى(8).

وأما ما استدلّوا به عن طريق عدّ الحروف والكلمات، فقد لفت انتباهنا ما قام به بعض العلماء في محاولة لتعيين ليلة القدر عن طريق عدّ حروف وكلمات سورة القدر نفسها. فمن المعلوم أن العلماء اختلفوا منذ القديم في تعيين هذه الليلة المباركة، ولكن الذي عليه أكثرهم أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك(9). وقد ذكر أبو بكر الوراق إشارات لطيفة من السورة، لتعيين هذه الليلة المباركة في قوله: "إن الله قسّم ليالي شهر رمضان على كلمات هذه السورة. فسورة القدر تتكوّن من (30) كلمة بعدد ليالي الشهر. وكلمة (هي) الدالّة على ليلة القدر في الآية الأخيرة، هي الكلمة الـ(27)"(10). ثم قام بتقديم دليل آخر على ما ذهب إليه عن طريق إحصاء حروف السورة، يقول: "بالإضافة إلى ذلك فإن عبارة (ليلة القدر) تكوّنت من (9) حروف، وقد تكرّرت (3) مرات في السورة، مما يجعل حاصل ضربهما مساويًا أيضًا لـ(27)(11).

وأما ما استنبطوه من مواقع بعض السور للدلالة على أحداث معيّنة، فذكر السيوطي رحمه الله أنه "ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله، حتى أن بعضهم استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثلاثًا وستين سنة، من قوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا ﴾(12). فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقّبها بسورة التغابن ليظهر التغابن(13) في فقده صلى الله عليه وسلم"(14).

وأما اعتمادهم على الإحصاء الذي اقتصر على عرض ملاحظات أولية، فمنه ما خصّ عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، أو ما قام به بعض العلماء في استقصائه لإحصاء أكثر الحروف وأقلّها دورانًا في القرآن الكريم. ولقد عجبنا من وجود مثل هذه الإعتبارات في وقت مبكّر في كتب الأدب بشكل عام. يقول الجاحظ في (البيان والتبيين): "وأنشدني ديسمٌ قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:

وخلّة اللفظ في اليـاءات إن فُقدتْ كخـلّة اللـفظ الـلاماتِ والألـفِ

وخصلة الراء فيـها غير خـافيةٍ فاعرف مواقعها في القولِ والصحفِ

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادًا من غيرها، والحاجة إليها أشدّ. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدّة رسائل، وعدّة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصَّلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشدّ"(15).

وقد نقل الدكتور علي العماري إحصاءات كهذه في القرآن عن كتاب (بصائر ذوي التمييز) للفيروز آبادي، والذي جاء فيه أن أكثر الحروف دورانًا في آيات القرآن، هي: الألفات وعددها (48800)، واللامات وعددها (36522)، والنونات وعددها (26525)، والميمات وعددها (26135)، والياءات وعددها (25909). في حين أن أقل الحروف دورانًا في آيات القرآن الكريم: الثاءات وعددها (1276)، والصادات وعددها (1081)، والظاءات وعددها (842)(16). كما قام الأستاذ محمد الحسناوي بإحصاءات مشابهة لحروف فواصل الآيات، وهي حروف الكلمة الأخيرة في الآية. يقول: "اتّسع مجال تغيّر حرف الرويّ(17) في الفواصل، حتى تناول حروف الأبجدية العربية أو معظمها، على تفاوت بينها في النسبة. فحرف النون فاصلة القرآن الأثيرة، فقد بلغ ما جاء عليها ساكنة بعد واو أو ياء (3050) فاصلة، منها (1758) على الواو والنون، و(1291) على الياء والنون، بينما لم ترد حروف كالغين إلا مرة واحدة، والحرف الذي لم يرد في الفواصل هو الخاء"(18).. وما إلى ذلك من إحصاءات.

وأما اعتمادهم على الإحصاء الذي استنبطوا منه فوائد للدلالة على مدى تأثير التكرار على النصّ القرآني، فنجد أنه ارتكز في غالبيّته على إحصاء حروف وكلمات في السور المقطّعة، وهي تلك السور التي ابتدئت بالحروف النورانية (مثل: ألـم، ألـر، حـم، طـس..). وقد تنبّه السلف إلى أن مجموع هذه الحروف، بغير المكرّر منها، أربعة عشر حرفًا، هي نصف الحروف العربية(19). كما أطال بعضهم النظر فيها، فلفتهم منها أنها نصف الحروف الهجائية على أي وجه من الوجوه التي اصطلح عليها علماء اللغة بعد نزول القرآن. ففيها خمسة مهموسة، وعدد المهموس من الحروف العربية عشرة(20). وفيها كذلك نصف الحروف المجهورة، بغير زيادة ولا نقصان. وفيها ثلاثة من حروف الحلق، هي نصف الحروف الحلقية(21)، كما أن فيها نصف الحروف غير الحلقية. وفيها نصف الحروف الشديدة(22)، ونصف الحروف الرخوة. وفيها حرفان من الأحرف الأربعة المطبقة(23)، ونصف الحروف الأخرى المنفتحة غير المطبقة. وفيها نصف الحروف المستعلية(24)، ونصف الحروف المنخفضة(25).

وذهب قوم، منهم أبو بكر الباقلاني، إلى "أن مجيء هذه الحروف على حدّ التنصيف مما تواضع عليه العلماء بعد العهد الطويل، هو من دلائل الإعجاز، من حيث لا يجوز أن يقع هكذا إلا من الله عزّ وجلّ، لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب"(26). ثم تنبّهت طائفة إلى أن السور التي ابتدئت بهذه الحروف قد بُنيت عليها، أي أن كل سورة حوت من الكلمات ما يكثر فيها الحروف التي ابتدئت فيها. جاء في (مِلاك التأويل): "إن هذه السور إنما وقع في أول كل سورة منها ما كثر ترداده فيما تركّب من كلمها. ويوضّح لك ما ذكرت أنك إذا نظّرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلمها وحروفها وجدت الحرف المفتَتح بها تلك السورة إفرادًا وتركيبًا أكثر عددًا في كلمها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها"(27).

ولم يكتف صاحب (مِلاك التأويل) بإدلاء هذه الملاحظة مجرّدة، وإنما ساق الدليل باستناده إلى علم الإحصاء. يقول في سبب بدء سورة لقمان بـ«ألـم» وسورة يونس بـ«ألـر»: "إن سورة لقمان تضمّنت من التنبيه والتحريك والإعتبار إفصاحًا وإيماءً للمؤمن والكافر ما لم تتضمّن سورة يونس على طولها.. ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم قوله مخاطبة لنبيّه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾(28)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ.. الآية﴾(29)، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ.. الآية﴾(30). فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولَمْ الجازمة، وهي الأداة المتكرّرة في آي التنبيه، فتكرّرت في هذه السورة في ثلاث آيات، ولم تقع متكرّرة في شيء مما أتى بعدها من السور إلى آخر القرآن، ولا في سورة مما قبلها مما يماثلها في عدد كلمها.. فتناسب ذلك مع ما في هذه السورة من التنبيه في مطلعها بوقوع الميم مكان الراء الواردة في مطلع سورة يونس"(31).

أما بالنسبة لبدء سورة يونس بـ«ألـر»، فيقول صاحب (مِلاك التأويل): "إن هذه السورة مبنيّة على التعريف بربوبيّته تعالى وقصره.. ثم تكرّر فيها اسمه الرب سبحانه في بضعة عشر موضعًا.. ثم إنه تكرّر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا كلمة وعشرون كلمة أو نحوها. وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة سورة النحل وهي أطول منها. والوارد فيها مما تركّب على الراء من كلمها مائتا كلمة مع زيادتها في الطول عليها.. فلمجموع ما ذكرنا وردت في الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة في لقمان، وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم"(32).

وقال في موضع آخر عن افتتاح السور بالحروف المقطّعة واختصاص كل واحدة بما بُدئت به، حتى لم يكن لترد «ألـم» في موضع «ألـر» ولا «حـم» في موضع «طـس»: "وذلك أن كل سورة بُدئت بحرف منها، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحقّ لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها، فلو وضع «ق» موضع «ن» لعُدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله، وسورة (ق) بُدئت به، لِمَا تكرّر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن والخلق وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم وتلقّي الملكين، وقول العتيد، والرقيب، والسائق والإلقاء في جهنّم، والتقدّم بالوعد، وذكر المتّقين، والقلب والقرون، والتنقيب في البلاد، وتشقّق الأرض، وحقوق الوعيد وغير ذلك..". وأما بالنسبة لسورة (ص) فقد "اشتملت على خصومات متعدّدة، أولها خصومة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم.. وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على «ألـم»، لما فيها من شرح القصص، قصّة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولِمَا فيها من ذكر "فلا يكن في صدرك حرج"، ولهذا قال بعضهم: معنى «ألـمص» "ألم نشرح لك صدرك". وزيد في الرعد «راء» لأجل قوله: "رفع السموات"، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما.."(33).

وبعد، فإن الوقوف عند هذه التحليلات للأساليب الإحصائية التي اتّخذ منها القدامى مرتكزًا للدلالة على ظواهر مختلفة في النصّ القرآني الكريم، يكشف بوضوح أن مسألة العدّ والإحصاء في القرآن الكريم ليست بدعًا من العلوم، وإنما أظهرت منذ البداية أن ثمّة وجودًا لنسق عددي محسوب في هذا الكتاب العظيم. فهي إذن ظاهرة بارزة في هيكل القرآن وتمثّل جهة من جهات بنائه، الأمر الذي يشكّل منها بُعدًا مدخليًّا في عمليّة فهمه، وخاصّة فيما يتعلّق بنظم حروفه وكلماته وتركيب جمله وعباراته وآياته.

ولكن على الرغم من كل هذه البحوث المتناثرة في مصادر متعدّدة ومتنوّعة، فهي لم تصل بطبيعة الحال إلى ما يمكن أن يُطلق عليه نظرية عددية أو إعجاز عددي، كما يتناوله البحث الحديث. إلا أنه ينبغي التأكيد على أن هذه البحوث تُعدّ من صميم الإعجاز العددي، ولا يمكن إغفالها حين التأريخ له، أو التعرّض إلى مراحل تطوّره.


*الإعجاز العددي وتبلوره في العصر الحديث
-------------------------------------------------
لقد بيّنت البحوث التي تعرّض لها القدامى من العلماء أن الحروف والكلمات القرآنية لم تُوضع عبثًا، أو من غير حساب في هذا الكتاب العظيم، إنما هي موضوعة في انتظام عجيب واتّساق موزون، لا تجاوز فيه أو تفاوت. ومن ثمّ، فإن هذه البحوث قد أنارت الطريق أمام الباحثين الّلاحقين، وأخذت بأياديهم للكشف عن المزيد من أسرار القرآن الكريم.

فلا ريب إذن أنها كانت الممهّد الرئيس لنشأة ما نسمّيه اليوم بالإعجاز العددي، وأن توظيف أداة الترقيم والإحصاء على النصّ القرآني قد فتح للعلماء أبوابًا جديدة، وغير معهودة للتدبّر في هذا الكتاب المجيد. ولعلّ التسارع المذهل الذي شهدناه في توظيف هذه الأداة في العقود الأخيرة، يرجع في الأساس إلى سببين: الأول، تطوّر الدراسات الأدبية والجمالية والعلمية والتجريبية للنصّ القرآني الكريم. والثاني: تطوير المعاجم والفهارس القرآنية الحديثة.

ففي حين أن الدراسات القرآنية الموروثة اقتصرت على التفسير الترتيبي أو التجزيئي، أي دراسة الآيات القرآنية الكريمة بمعزل عن الهيكل العام للسورة، فقد برزت في العقود الأخيرة مناهج جديدة درست السور القرآنية من حيث الروابط السببيّة التي تربط بين عناصرها. أي أنها بحثت السورة القرآنية من حيث بناؤها الموضوعي واللغوي والبياني، ومن حيث صلة جزئيّاتها بعضها مع الآخر، ومن حيث صلة آياتها جميعًا بعضها مع الآخر، ومن حيث صلة موضوعاتها بعضها مع الآخر.. ومن حيث صلة أولئك جميعًا بالعناصر الأخرى، كالصورة والإيقاع، والحوار(1)..

فهذه الدراسات الحديثة أضفت إلى الروابط المعنويّة بين السور والآيات أبعادًا فنّية جديدة، وبيّنت أن خيوط النسج القرآني ليست مقتصرة على نظم لغوي وبلاغي فحسب، وإنما هي مشبوكة بموازين داخلية وخارجية، يتماسك من خلالها النصّ القرآني بصورة مطلقة.

وأما ما يخصّ تطوير المعاجم والفهارس القرآنية، فنجد أن هذه "النهضة" قد بدأت في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، عندما قامت دار الكتب المصرية بنشر معجم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي تحت عنوان «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم»، جمع فيه المؤلّف ألفاظ القرآن الكريم، بعد أن رتّب موادّها حسب حروف المعجم، مع الأخذ في الإعتبار ردّها إلى أصولها اللغوية، فوضع الكلمات القرآنية وأمامها الآية أو الآيات التي وردت فيها.

ثم وضع مؤلّفون آخرون معاجم وفهارس قرآنية جديدة، جمعوا فيها الألفاظ القرآنية، وذلك حسب جذور الكلمات، أو التبويب الموضوعي، أو التراكيب المتشابهة لفظًا، أو بإيراد العبارات القرآنية ومواقع تكرارها في القرآن.. ممّا أتاح للعلماء التدبّر والغوص في معاني القرآن وألفاظه، والكشف عن المزيد من أسرار هذا الكتاب العظيم.

فما من شكّ أن هذه الوسائل قد أعانت العلماء على الوصول إلى غاياتهم، وسهّلت عليهم المعرفة الدقيقة لمواقع التراكيب والألفاظ والموضوعات في كل القرآن الكريم، والتي منها استمدّ الإعجاز العددي وجوده في شكله المتجدّد.

ولذلك نجد أنه في حين امتازت المسائل العددية التي بحثها السابقون بنوعين من الحسابات القرآنية، كما رأينا، إلا أن الدراسات الّلاحقة تبلورت فيها أشكال أخذت طابعًا أكثر أصالة، وتميّزت ببحوث أكثر دقّة، لم يكن من الممكن تحصيلها من قبل بهذه الخلفيّة.

ثم راحت هذه الدراسات تتزيّن بلباس العلم، وأثبتت أنها تملك عناصر البرهنة على كثير من العلوم القرآنية. فجاء الإعجاز العددي بدراساته ليشيّد جسرًا عريضًا بين جزيرتين في بحر عميق من بحور القرآن الكريم.

أما الجزيرتان فتمثّلان ظاهرة التكرار من جهة، وعلم المناسبة من الجهة الثانية، وأما البحر العميق فيتمثّل في نظرية النّظم. ولتوضيح هذه النظرة وبيانها، ومن ثم الكشف عن علاقة كل واحدة منها بالإعجاز العددي، سنجعل لكل ظاهرة منها فصلاً قائمًا بذاته، لنكشف الستار عن ضروب من التوافق والإنسجام، الذي يضفيه الإعجاز العددي على البناء القرآني في تلاحم تراكيبه المحكمة

*ظاهرة التكرار في القرآن الكريم
------------------------------------
التكرار فنّ قولي من الأساليب المعروفة عند العرب، بل هو من محاسن الفصاحة(1). يقول الجاحظ مبيّنًا الفائدة منه: "إن الناس لو استغنوا عن التكرير _ التكرار _ وكفوا مئونة البحث والتنقير لقلّ اعتبارهم. ومن قلّ اعتباره قلّ علمه، ومن قلّ علمه قلّ فضله، ومن قلّ فضله كثُر نقصه، ومن قلّ علمه وفضله وكثُر نقصه لم يُحمد على خير أتاه، ولم يُذمّ على شرّ جناه، ولم يجد طعم العزّ، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين ولا راحة الأمن.."(2). فهذا لو استغنى البشر في الكلام عن التكرار، فما بالك إذن بكلام ربّ البشر سبحانه؟

ولذلك نجد أن التكرار ورد في القرآن كثيرًا. ومع أن الأسلوب في الكلام العادي قد لا يسلم معه من القلق والإضطراب، إلا أنه جاء في كلام الله مُحْكَمًا. ولكون هذه الظاهرة بارزة في القرآن، فقد تعرّض لها المفسّرون والبلاغيون، وبيّنوا جزءًا من أبعادها ودلالاتها على اختلاف مواقعها، كما وحاولوا التعرّف على محاورها وأنماطها التي تمثّلت في تكرار حروف وكلمات، وتكرار بدايات وفواصل، وتكرار جمل وآيات، وتكرار قصص وأنباء..(3).

إلا أنهم اختلفوا في دلالة توظيفها، فانقسموا إلى فريقين. ففي حين رأى فريق في التكرار ظاهرة ملحّة، يرتكز عليها القرآن الكريم في بنيته، لا سيّما أن من وظائفه البلاغة والتأكيد على المعنى المقصود من الألفاظ المكرّرة(4)، نفى الفريق الآخر التكرار من القرآن تمامًا، بادّعاء عدم الفائدة من تكرار اللفظ نفسه في السياق نفسه للمعنى نفسه. فحتى لو كانت الألفاظ مكرّرة، فإنها تدلّ بنظرهم على معانٍ مختلفة(5).

ومع أن الغرض من هذا البحث، ليس تقصّى نقاط الخلاف بين الفريقين، ولا الإحاطة بظاهرة التكرار من جميع جوانبها _ فنحن لسنا هنا في موضع يُراد فيه إثبات مشروعية التكرار، وإنما في موضع يبحث عن مزايا التعبير القرآني، ومنها التكرار، ومن ثم توضيح علاقة هذه الظاهرة بالإعجاز العددي _ إلا أن معرفة الوظائف التي يؤدّيها التكرار في القرآن، قد يفيد القاريء في إدراك الطريق الذي سنسلكه قريبًا، حين نقوم بتوظيف فائدة جديدة له؛ ولبيان هذا المسلك لا بدّ أن نتحدّث عن ماهيّة هذه الظاهرة. فما هو التكرار؟ وكيف يتجلّى في القرآن الكريم؟

التكرار في اللّغة أصله من الكرّ بمعنى الرجوع، ويأتي بمعنى الإعادة والعطف. فـ"كرّر" الشيء وكركره أي: أعاده مرة بعد أخرى(6). وقد يأتي له تصريف آخر هو التكرير، يقول الجوهري: الكرّ: الرجوع، يقال: كرّرت الشيء تكريرًا وتكرارًا(7). وأما في الإصطلاح، فالمقصود به: تكرار كلمة أو لفظ أكثر من مرة في سياق واحد لنكتة ما، وذلك إما للتوكيد، أو لزيادة التنبيه أو للتهويل، أو للتعظيم(8). وقد قسّمه العلماء إلى نوعين: أحدهما الذي نجده في اللفظ والمعنى، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. والآخر الذي نجده في المعنى دون اللفظ، كقولك: أطعني ولا تعصني، فإن الأمر بالطاعة هو النهي عن المعصية(9). ثم حدّدوا مفهومه في أبسط مستوى من مستوياته بـ"أن يأتي المتكلّم بلفظ ثم يعيده بعينه، سواء أكان اللفظ متّفق المعنى أو مختلفًا، أو يأتي بمعنى ثم يعيده. وهذا من شرط اتّفاق المعنى الأول والثاني، فإن كان متّحد الألفاظ والمعاني فالفائدة في إثباته تأكيد ذلك الأمر وتقريره في النفس، وكذلك إذا كان المعنى متّحدًا. وإن كان اللفظان متّفقين والمعنى مختلفًا، فالفائدة في الإتيان به الدلالة على المعنيين المختلفين"(10).

ولكي لا نطيل عليك، فتملّ، نختصر في بيان ذلك، فنقول: إن المقصود من التكرار في المعنى دون اللفظ، هو عادة ما يرد كثيرًا في القَصَص، كما هو الحال في قَصَص الأنبياء، كقصة آدم، وقصة نوح، وقصة لوط عليهم السلام، أو العذاب والنعيم في الآخرة، أو إحياء الموتى يوم القيامة، وبعض الظواهر الكونية كخلق السموات والأرض.. فمع أن هذه القَصَص والظواهر المذكورة تتكرّر في السور القرآنية، إلا أنها تجيء في كل مرّة بصيغة مختلفة، وبمفردات مختلفة، ومن ثمّ فهي تَعرِض لأهداف مختلفة. فالألفاظ المستعملة في سياق هذه القَصَص تختلف من موضع لآخر، أما المعاني والعبر فتتكرّر من حين لآخر.

وفي هذا النوع من التكرار فوائد جمّة، يقول ابن قتيبة مبيّنًا إحداها: "إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن نجومًا في ثلاث وعشرين سنة.. وكانت وفود العرب ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام، فيقرئهم المسلمون شيئًا من القرآن، فيكون ذلك كافيًا لهم. وكان يبعث إلى القبائل المتفرّقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثنّاة ومكرّرة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم. فأراد الله بلطفه ورحمته، أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير"(11).

ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن لكل أحد في كل وقت قراءة تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحد في كل وقت، "فلهذا أدرج الحكيم الرحيم أكثر المقاصد القرآنية في أكثر سوره، لا سيما الطويلة منها، حتى صارت كل سورة قرآنًا صغيرًا، فسهّل السبيل لكل أحد، دون أن يحرم أحدًا، فكرّر التوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام.."(12). فتكرار المعاني دون الألفاظ يجيء في القرآن إذن للدلالة على تكرّر الإحتياج، وللإشارة إلى شدّة الإحتياج إليها، ولتنبيه عرق الإحتياج وإيقاظه، وللتشويق على الإحتياج، ولتحريك اشتهاء الإحتياج إلى تلك الأغذية المعنوية.

أما التكرار الذي نجده في اللفظ والمعنى، فهو ما تكرّر فيه لفظ بعينه دون اختلاف في عدّة مواضع من القرآن الكريم، أي أن الكلمة أو العبارة أو الآية تأتي بنفس الصيغة والمفردات. وهذا التكرار ينقسم إلى نوعين، فهو إما موصول وإما مفصول. فالموصول تتكرّر فيه إما كلمات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾(13)، وقوله تعالى: ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا {15} قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ﴾(14). وإما مقاطع، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً {21} وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾(15). وإما آيات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾(16)، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {34} ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾(17)، وقوله تعالى: ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ {4} ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾(18)، وقوله سبحانه: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {17} ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾(19)، وقوله عزّ من قائل: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾(20)، وقوله سبحانه: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {3} ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾(21).

وأما التكرار المفصول، فهو ما وقع فيه الفصل بين المكرّرين(22). وهو يقع إما في سورة بعينها، كما جاء في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾(23)، والذي تكرّر فيها (8) مرات. أو قوله تعالى في سورة النمل: ﴿ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ ﴾(24)، والذي تكرّر فيها (5) مرات. أو قوله تعالى في سورة القمر: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾(25)، والذي تكرّر (4) مرات في السورة. أو قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾(26)، والذي تكرّر فيها (31) مرة. أو قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾(27)، والذي تكرّر فيها (10) مرات.

وإما أنه يقع في مواضع مختلفة من القرآن، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾، والذي تكرّر مرتين في القرآن الكريم، الأولى في سورة التوبة(28)، والثانية في سورة التحريم(29). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾، والذي تكرّر في ثلاث مواضع من القرآن: سورة النمل(30)، وسورة يس(31)، وسورة المُلك(32). أو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾، حيث تكرّرت هذه العبارة في موضعين: في سورة النحل(33)، وفي الأنبياء(34)..

هذه هي بعض أوجه التكرار الوارد في القرآن الكريم، ولقد علمنا ممّا سبق أن العلماء اختلفوا في دلالة توظيف هذه الظاهرة البارزة في النصّ القرآني، ورأينا أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق نافٍ للتكرار تمامًا، وفريق مؤيّد له. فما هي إذن دواعي التكرار في النصّ القرآني الكريم؟

*من دواعي التكرار في القرآن الكريم
-------------------------------------------
إن الذين نفوا وجود التكرار في القرآن يرون أن المقصود من كل كلمة تكرّر لفظها في القرآن، هو غير نفس تلك الكلمة في موضع آخر. فإذا تكرّرت كلمة في القرآن مرتين، فالكلمة واحدة، لكن المعنى والمقصود اثنان. وإذا تكرّرت كلمة أو آية في القرآن خمس مرات، فالكلمة واحدة، لكن المعاني والمقاصد خمسة. وهكذا دواليك.. ويُسمّون ذلك بـ"علم الإحكام والتفصيل"1 . يقول القاضي أبو بكر الباقلاني: "لقد علمنا أن الله تحدّى المعارضين بالسور كلها ولم يخصّ، فعُلم أن جميع ذلك معجز، وذلك لأن الكلمات المكرّرة لفظًا، هي ذات معان جديدة بعد تكرارها" 2 .

ويضرب الخطيب الإسكافي مثلاً على ذلك، فيقول: "إن قوله تعالى: ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ {4} ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ 3 ، يدلّ على اختصاص الآية الرابعة من السورة بالعلم في الدنيا، ثم اختصاص الآية الخامسة من هذه السورة بالعلم في الآخرة، فهو إذن ليس بتكرار، ولم يُرد بالتالي ما أراد بالأول.." 4 . ويقول الكرماني ما مؤدّاه: "إن قوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿ عَلَيهِمْ ﴾ في موضعين بهذه الآية ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ لا تكرار فيه، لأن المراد بالأول الإرتباط بمعنى الإنعام، أما المراد بالثاني فهو الإرتباط بمعنى الغضب" 5 .

أما الفريق الثاني، فرأى في التكرار أسلوبًا من أساليب العرب التي جاء بها القرآن ليحقّق أهدافًا معيّنة تثري المعنى؛ فالتكرار عندهم ظاهرة بلاغية لا يفطن إليها إلا كل من له بصر بفنون القول، وهو في القرآن أروع وأجمل من أن تتطاول إليه ألسنة المتقوّلين. يقول الزركشي: "وقد غلط من أنكر كونه _ أي التكرار _ من أساليب الفصاحة، ظنًّا أنه لا فائدة له، وليس كذلك بل هو من محاسنها، لا سيّما إذا تعلّق بعضه ببعض.. وفائدته العظمى التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرّر تقرّر" 6 .

فالتكرار يؤدّي عند الفريق الثاني وظيفتين: أولاهما: من الناحية الدينية، وثانيتهما: من الناحية الأدبية7 . أما الناحية الدينيّة، فباعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع، فإن أهم ما يؤدّيه هو تقرير المكرّر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون أمثل في السلوك وأبْيَن للإعتقاد. يقول الزمخشري: "فائدته أن يجدّدوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارًا واتّعاظًا، وأن يستأنفوا تنبّهًا واستيقاظًا، إذا سمعوا الحثّ على ذلك البعث، وأن يقرع العصا مرات، ويقعقع لهم الشنّ تارات، لئلا يغلبهم السّهو، ولا تستولي عليهم الغفلة" 8 .

ويقول في موضع آخر: "إن في التكرير تقريرًا للمعاني في الأنفس، وتثبيتًا لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفّظ العلوم إلا ترديد ما يُرام تحفّظه منها. وكلّما زاد ترديده كان أمكن له في القلوب، وأرسخ له في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان؟" 9 . وأما من الناحية الأدبية، فالهدف منه الإستلذاذ، أو التوكيد، أو زيادة التنبيه، أو التهويل، أو التعظيم..

هذا بالنسبة لمفهوم التكرار عند القدامى. فإذا انتقلنا إلى الدراسات في عصرنا الحديث، نرى أن هذا الخلاف لم يمتدّ طويلاً، حيث تبنّى معظم الباحثين المحدثين موقف الفريق الأول، الذي نفى التكرار من القرآن تمامًا، ثم داروا في فلكه، يبرّرون أنواع التكرار بمسمّيات جديدة. يقول العفيفي: "إن إحكام القرآن وتفصيله هو العلم الذي يضمن لنا أننا كلّما احتجنا إلى أي مفردة قرآنية وجدناها بأي موضع من مواضعها، كالحرف الواحد في الكلمة، يعني المكرّر في كلمة واحدة التي تجمع حروفها جميعًا في جملتها، فإذا كل حرف بموضعه الخاص به تفصيلاً، يعني كل حرف غير الآخر، لا أنه مكرّر، وإذا الحروف جميعًا تامّة الإرتباط بها كلها إجمالاً" 10 .

العفيفي يرى أن تكرار آيات القرآن ليس إلا للفظ، وهو في كل سورة معنًى إبداعي مُعجز: "..فإذا تعدّدت المواضع في القرآن كله بآية، أو جملة أصغر من آية، أو كلمة، أو حرف كان كل من ذلك ثابتًا في نصّه بلا تبديل، وإنما لكل مفردة منه عمل جديد، بكل موضع جديد، حتى إذا احتاج أي إنسان منا بأي زمان أو مكان إلى النظر فيما تصلنا به كل مفردة من هذه المفردات في سياقها من أي موضع، وجدنا لها حسابًا، فيه تعميم إلهي معجز، من حيث تقدير جملة مواضع كل مفردة، ومن حيث جملة ما تربطنا به من المقاصد" 11 .

وهذا الأستاذ محمد قطب يطلق على التكرار إسم "التنويع"، يقول: "الظاهرة الحقيقية ليست هي التكرار، وإنما هي التنويع.. لا يوجد نصّان متماثلان في القرآن كله، إنما يوجد تشابه فقط دون تماثل، تشابه كذلك الذي قد يوجد بين الإخوة والأقارب، لكنه ليس تكرارًا.. إنه مثل ثمار الجنة: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ﴾ 12 . فهم حين يتناولون الثمرة لأول مرة يقولون: هذا الذي رُزقنا من قبل. فإذا تذوّقوه عرفوا أنه مختلف عنه، يشبهه ولكنه لا يماثله" 13 "إنه هكذا التنويع في القرآن الذي يُخيّل للناس أنه تكرار" 14.

والخلاصة أنه مع اختلاف العلماء في إطلاق التكرار على ذلك الأسلوب القرآني أو عدمه، فإن النظر في أقوالهم يوضّح لنا أنهم لا يختلفون في أن كل موقف يختصّ بحالة أخرى غير التي جاء بها الأول، وله موقف خاصّ، وجوّ خاصّ، وأهداف خاصّة، ويعطينا معاني جديدة إما تكون واضحة من إضافات نراها في الكلام، أو من خلال ما نستنتجه من فروق بين نصوص متشابهة.

وعلى الرغم من هذا وذاك، إلا أننا نجد أن بعض البحوث المتجدّدة والمستحدثة قد تميّزت في دراستها لهذه الظاهرة عن المدخل التراثي الذي تعرّضنا له آنفًا. حيث قام بعض الباحثين بتقسيم التكرار إلى نوعين آخرين: الأول: محلّي أو موضعي، والثاني: شامل أو متكرّر 15 .

وعند النظر فيما طُبّق من هذه البحوث على نصوص أدبيّة، نجد أن هذا التقسيم قد ساعد على الكشف عن مدى تأثير التكرار على النصوص الأدبية، وذلك بحساب معدّلات التكرار لوحدة معيّنة في النصّ المدروس. وقد ظهر تطبيق هذا المنهج على عدد من النماذج، وأدّى إلى نتائج جيّدة في مجال الدراسات النقدية 16 ، فكان من ثمرة ذلك المدخل الوقوف على ظاهرة جديدة ومستحدثة تُسمّى "المفاتيح".

***********************



صورة


الاربعاء يونيو 13, 2007 1:56 pm
لمحة العضو
مشرف
مشرف
رموز المستخدمين

اشترك: السبت مارس 24, 2007 8:02 am
مشاركات: 940
الموقع: U.S.A **جزائري**
مشاركة أبحاث متعلقة بالإعجاز العددي في القرآن * 3 *
صورة

*المفاتيح ومدى تأثير التكرار على النص
--------------------------------------------

المفاتيح هي تلك الكلمات التي يكون لها ثقل تكراري وتوزيعي في النصّ بشكل يفتح مغاليقه(1). فـ"الكلمة المفتاح" هي التي يصل معدّل تكرارها في عمل معيّن أو لدى مؤلّف معيّن إلى نسبة أعلى ممّا هي عليه في اللغة العادية(2). أي أنها كلمة تفوق في تردّدها لدى كاتب معيّن المعدّلات العاديّة لدى أمثاله في نفس الموضوعات.

ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به الدكتورة فاطمة محجوب في دراستها لتكرار الصيغ الصرفية في قصيدة ابن الفارض. فبعد أن أحصت تكرار بعض الصيغ الصرفية، وجدت أن صيغة (فَعْل) قد تكرّرت في تسعة وستين موضعًا مختلفًا في القصيدة. فعلّلت هذه الكثرة بأن النصّ يدور حول (خَمْر بلا كَرْم)، ولذلك كانت صيغة اللفظين (خَمْر وكَرْم) واحدة، وهي (فَعْل). فكأن هذه الصيغة هي الأساس الذي بُني عليه نظم هذه القصيدة.

وعلى هذا فإن الإحصاء لهذا النمط من التكرار يوضّح أن الأمر يرجع أولاً وأخيرًا إلى (اختيار) أو (انتقاء) الألفاظ(3). فالشاعر ينتقي الألفاظ التي تحقّق تكرارًا في الأصوات، وتكرارًا في المقاطع، وتكرارًا في الوحدات الصرفية، وتكرارًا للتراكيب النحوية.

ولكن إذا كان هذا الإختيار أو الإنتقاء مقصودًا، فهذا يعني أن السّمات اللغوية، حين تحظى بنسبة عالية من التكرار، وحين ترتبط بسياقات معيّنة على نحو له دلالته، تصبح خواصًّا أسلوبية تظهر في النصوص بنسب وكثافة وتوزيعات مختلفة(4). ولذلك يرى الدكتور صلاح فضل أن تطبيق مثل هذه المعايير الإحصائية في الدراسات الأسلوبية له فوائد كثيرة، نذكر منها ما يلي: أولاً: بوسع التحليل الإحصائي أن يسهم في حلّ المشاكل ذات الصبغة الأدبية الخالصة. فاستخدام هذه الآلية قد يساعد، مع شواهد أخرى، على تحديد مؤلّفي الأعمال المجهولة النسب، ويمكنه أن يلقي ضوءًا على مدى وحدة بعض القصائد واكتمالها أو نقصها.

وثانيًا: قد يفيد المنظور الإحصائي في تزويدنا بمؤشّر تقريبي لمعدّل تكرار أداة خاصّة، ودرجة تكثيفها في العمل الأدبي. فممّا لا ريب فيه أن تكرار ظاهرة معيّنة مرّة واحدة أو عشر مرّات أو مائة مرّة في الكتاب الواحد له دلالة مختلفة، وكثير من الدراسات التي تدور حول الأسلوب لا تقدّم بيانات دقيقة عن هذا الأمر. وثالثًا: قد تكشف الإحصاءات عن ظواهر غير عادية بالنسبة لتوزيع العناصر الأسلوبية، مما يؤدّي إلى طرح مشاكل ذات صبغة جمالية هامّة(5). وعليه فإن هذا المنهج يمكنه أن يقدّم الكثير للدراسات الأدبية والنقدية، أو للدراسات اللغوية على العموم، وللدراسات القرآنية على الخصوص.

ومن هذا المنطلق سنقوم في بحثنا بتوظيف هذه الفائدة الإحصائية لظاهرة التكرار في النصّ القرآني. والسبب في ذلك يكمن في الوصول إلى علم يقينيّ في ملاحظات تركّزت حول تكرار حروف أو كلمات أو عبارات أو آيات معيّنة في النصّ القرآني، والتي تضفي إليه بُعدًا، لا يمكن فهمه إلا من هذا المنظور الإحصائي، كما سنبيّن لاحقًا. إذ نجد أنه على الرغم من أن بعض الباحثين والم