هي الان الاحد نوفمبر 23, 2008 12:14 am
video
افلام عالم حواء برامج الجوال msn برامج كمبيوتر mobily




المنتدى مغلق هذا الموضع مغلق لا تستطيه ان تعدل المشاركات او تقوم بتقديم ردود  [ 4 مشاركة ] 
 سورة ( البقرة ) 
المؤلف رسالة
مشاركة سورة ( البقرة )
بسم الله الرحمان الرحيم

{ الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }

قوله تعالى: {الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}. [1-2].
أخبرنا أبو عثمان [الثقفي] الزَّعفراني، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن الليث، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:
أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ}. [6].
قال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته. وقال الكلبي: يعني اليهود.


{ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ }

قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا}. [14].
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، أخبرنا شيبة بن محمد، حدَّثنا علي بن محمد بن قرة، حدَّثنا أحمد بن محمد بن نصر، حدَّثنا يوسف بن بلال، حدَّثنا محمد بن مروان عن الكلبي، عن صالح، عن ابن عباس:
نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وذلك: أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: مرحباً بالصِّديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله. ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال: مرحباً بسيد بني عَدِيّ بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله. ثم أخذ بيد علي كرم الله وجهه فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وخَتَنِه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله. ثم افترقوا. فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت فأثْنَوْا عليه خيراً. فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبروه بذلك. فأنزل الله هذه الآية.


{ يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}. [21].
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو تراب القُهُسْتَاني، حدَّثنا عبد الرحمن بن بشر، حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا شعبة، عن سفيان الثّوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال:
كلّ شيء نزل فيه يا أيها الناس، فهو مكي، ويا أيها الذين آمنوا، فهو مدني.
يعني أن يا أيها الناس خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة. فقوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } خطاب لمشركي مكة إلى قوله: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ} وهذه الآية نازلة في المؤمنين، وذلك: أن الله تعالى لمَّا ذكر جزاء الكافرين بقوله: {ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} ذكر جزاء المرمنين.


{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ }

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً}. [26].
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله تعالى هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} وقوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال: فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين [به] المثل - ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق الحافظ في كتابه، أخبرنا سليمان بن أيوب الطبراني، حدَّثنا بكر بن سهل، حدَّثنا عبد العزيز بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} قال:
وذلك أن الله ذكر آلهة المشركين فقال {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً} وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أيّ شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية.


{ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}. [44].
قال ابن عباس في رواية الكلبي، عن أبي صالح بالإسناد الذي ذكر:
نزلت في يهود [أهل] المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينهم وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم - فإنَّ أمره حق. فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه.



{ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ }

قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}. [45].
عند أكثر أهل العلم: أن هذه الآية خطاب لأهل الكتاب، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد. وقال بعضهم: رجع بهذا الخطاب إلى خطاب المسلمين. والقول الأول أظهر.


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ...} الآية. [62].
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن أبي زائدة قال: قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لما قص سَلْمَان على النبي صلى الله عليه وسلم، قصة أصحاب الدير، قال: هم في النار. قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} إلى قوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال: فكأنما كشِف عني جبل.
أخبرني محمد بن عبد العزيز المَرْوَزِيّ، أخبرنا محمد بن الحسين الحدّادِي، أخبرنا أبو يزيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عمرو، عن أسباط، عن السُّدِّيّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ..} الآية، قال: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي لما قدم سلمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل يخبر عن عبادتهم واجتهادهم، وقال: يا رسول الله. كانوا يصلون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك تبعث نبيِّاً. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا سلمان هم من أهل النار، فأنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} وتلا إلى قوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر، أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكرياء، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدّغولي، أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
{إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ...} الآية، نزلت هذه الآية في سلمان الفارسي.
وكان من أهل جُنْدَيْسَابُور من أشرافهم، وما بعد هذه الآية نازلة في اليهود.


{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }

قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} الآية. [79].
نزلت في الذين غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وبدلوا نعته.
قال الكلبي بالإسناد الذي ذكرنا: إنهم غيّروا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كتابهم، وجعلوه آدَمَ سَبْطاً طويلاً، وكان رَبْعَةً أسمر صلى الله عليه وسلم. وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي الذي يُبعث في آخر الزمان، ليس يشبه نعت هذا. وكانت للأحبار والعلماء مَأكَلة من سائر اليهود، فخافوا أن تذهب مأكلتهم إن بَيَّنُوا الصفةَ؛ فمِنْ ثَمَّ غيّروا.



{ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. [80].
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم الصوفي، أخبرنا أبو الحسين [محمد بن أحمد بن حامد] العطار، أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن سعد الزهري؛ حدَّثنا أبي وعمّي قالا: حدَّثنا أبي عن ابن إسحاق، حدَّثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة، واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذَّب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}.
[أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التَّمِيمي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيّان، حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن الرازيّ، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا مروان بن معاوية حدَّثنا جُويبر، عن الضحاك عن ابن عباس: في قوله: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قال]:
وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين [عاماً] فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة. فإذا كان يوم القيامة اقتحموا في النار. فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم، إلى آخر يوم من الأيام المعدودة، قال: فقال لهم خزنة [أهل] النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلاَّ أياماً معدودة، فقد انقضى العدد، وبقي الأبد.


{ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} الآية. [75].
قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في السبعين الذي اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه [إلى الميقات] وسمعوا كلام الله تعالى وهو يأمره وينهاه رجعوا إلى قومهم. فأما الصادقون فأَدَّوْا كما سمعوا. وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شتم فلا تفعلوا ولا بأس.
وعند أكثر المفسرين: نزلت الآية في الذين غيروا الرجم وصفة محمد صلى الله عليه وسلم.


{ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }

قوله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. [89].
قال ابن عباس: كان يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء، وقالت: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلاَّ نصرتنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزَموا غطفان. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بك يا محمد، إلى قوله: {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}.
وقال السدي: كانت العرب تمر بيهود فَيَلْقَوْن منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة [ويسالونك الله] أن يبعثه، فيقاتلون معه العرب. فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم، كفروا به حسداً، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟!.


{ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ }

قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} الآية. [97].
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا الحسن بن أحمد الشيباني، أخبرنا المؤمل بن الحسن [بن عيسى]، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن سالم، حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا عبد الله بن الوليد، عن بُكَيْر، عن ابن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
أقبلت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك، أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس [من] نبي إلاَّ يأتيه ملك من عند ربه عزّ وجلّ بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك؟ قال: جبريل: قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك. فأنزل الله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} إلى قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}.


{ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ }

قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ} الآية. [98].
أخبرنا أبو بكر الأصفهاني، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا علي بن مُسْهِر، عن داود، عن الشعبي، قال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة، فأَعْجَبُ من موافقة القرآن التوراة، وموافقة التوراة القرآن. فقالوا: يا عمر ما أحدٌ أحبَّ إلينا منك، قلت: ولم؟ قالوا: لأنك تأتينا وتغشانا، قلت: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضاً، وموافقة التوراة القرآن، وموافقة القرآن التوراة. فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلف ظهري، فقاللوا: هذا صاحبك فقم إليه. فالتفت إليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد دخل خَوْخَة من المدينة، فأقبلت عليهم فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من كتاب، أتعلمون أنه رسول الله؟ فقال سيدهم: قد نشَدَكم باللهِ فأخبروه. فقالوا: أنت سيدنا فأخْبِرْهُ. فقال سيدهم: إنا نعلم أنه رسول الله، قال: قلت: فأنت أهلكهم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله، ثم لم تتبعوه. قالوا: إن لنا عدواً من الملائكة، وسلماً من الملائكة. فقلت: من عدوكم. ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وهو ملك الفظاظة والغلظة، والآصار والتشديد. قلت: ومن سلمكم؟ قال: ميكائيل، وهو ملك الرأفة واللين والتيسير. قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم مكائيل، وما يحل لميكائيل أن يسالم عدو جبريل؛ فإنهما جميعاً ومن معهما أعداء لمن عادوا، وسلم لمن سالموا. ثم قمت فدخلت الخَوْخَة التي دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلني فقال: يا ابن الخطاب، ألا أُقْرِئُكَ آيات أنزلت عليّ قبل؟ قلت: بلى. قال: فقرأ {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ} الآية حتى بلغ: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ}. قلت: والذي بعثك بالحق نبياً ما جئت إلاَّ أخبرك بقول اليهود، فإذا اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر. قال عمر: فقد رأيتني أشدَّ في دين الله من حجر.
وقال ابن عباس: إن حَبْراً من أحبار اليهود من "فَدَك" يقال له: عبد الله ابن صُوْرِيا، حاجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أشياء، فلما اتجهت الحجة عليه قال: أيّ ملك يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، ولم يبعث الله نبياً إلاَّ وهو وليّه. قال: ذاك عدونا من الملائكة، ولو كان ميكائيل [مكانه] لآمنا بك؛ إنّ جبريل ينزل بالعذاب والقتال والشدة، وإنه عادانا مراراً كثيرة، وكان أشدُّ ذلك علينا أن الله أنزل على نبينا: أن بيت المقدس سيخرب على يدي رجل يقال له: بُخْتُنَصَّر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بَعَثْنَا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل في طلب بخْتُنَصَّر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلاماً مسكيناً ليست له قوة، فأخذه صاحبنا ليقتله، فدفع عنه جبريل، وقال لصاحبنا: إن كان ربكم الذي أذن في هلاككم فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي شيء تقتله؟ فصدّقه صاحبنا، ورجع إلينا، وكبر بُخْتُنَصَّرُ وقوي، وغزانا وخرب بيت المقدس؛ فلهذا نتخذه عدواً. فأنزل الله هذه الآية.
وقال مقاتل: قالت اليهود: إن جبريل عدونا، أُمِرَ أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا. فأنزل الله هذه الآية.


{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ }

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}. [99].
قال ابن عباس: هذا جواب لابن صُوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة بها. فأنزل الله هذه الآية.

{ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} الآية. [102].
أخبرنا محمد بن عبد العزيز القَنْطَرِي، أخبرنا أبو الفضل الحدادي، أخبرنا أبو زيد الخالدي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدَّثنا جرير، أخبرنا حُصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال:
بينما نحن عند ابن عباس إذ قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فيجيئ أحدهم بكلمة حق، فإذا جُرِّب من أحدهم الصدق كذَب معها سبعين كذبة، فيشربها قلوبَ الناس. فاطلع على ذلك سليمان فأخذها فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الممنع الذي لا كنز له مثله؟ قالوا: نعم، قال: تحت الكرسي، فأخرجوه فقالوا: هذا سحر. فتناسخته الأمم، فأنزل الله تعالى عذر سليمان {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}.
وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنَيْرَنْجِيَّات على لسان آصف: هذا ما علَّم آصف بن برخيا سليمانَ الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان؛ فلما مات سليمان استخرجوه من تحت مصلاه، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه. فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان. وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلّمه، ورفضوا كتب أنبيائهم. ففشت الملامة لسليمان، فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأظهر براءته مما رمي به، فقال: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} الآية.
أخبرنا سعيد بن العباس القرشي كتابة: أن الفضل بن زكرياء، حدثهم عن أحمد بن نجدة، أخبرنا سعيد بن منصور، حدَّثنا عتاب بن بشير، أخبرنا خُصَيف قال:
كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا. فلما نبتت شجرة الخُرْنُوبَة قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أخربه قال: تخربينه؟! قالت: نعم، قال: بئس الشجرة أنت. فلم يلبث أن توفي، فجعل الناس يقولون في مرضاهم: لو كان [لنا] مثل سليمان. فأخذت الشياطين فكتبوا كتاباً فجعلوه في مصلى سليمان وقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به. فانطلقوا فاستخرجوا ذلك [الكتاب] فإِذا فيه سحر ورقى. فأنزل الله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} إلى قوله: {فَلاَ تَكْفُرْ}.
قال السّدي: إن الناس في زمن سليمان اكتتبوا السحر فاشتغلوا بتعلمه، فأخذ سليمان تلك الكتب [وجعلها في صندوق] ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك. فلما مات سليمان وذهب [الذين] كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا. فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود. فبرّأ الله عزّو جلّ سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية.


{ يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} الآية. [104].
قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم، أعجبهم ذلك. وكان راعنا في كلام اليهود السب القبيح فقالوا: إنا كنا نسب محمداً سراً، فالآن أعلنوا السب لمحمد لأنه من كلامهم. فكانوا يأتون نبي الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا محمد، راعنا ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن عبادة، وكان عارفاً بلغة اليهود، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه. فقالوا: الستم تقولونها [له؟] فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا} الآية.


{ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }

قوله تعالى: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} الآية. [105].
قال المفسرون: إن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد، قالوا: هذا الذي تدعوننا إليه ليس بخير مما نحب عليه، ولَوَددنا لو كان خيراً. فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم [هذه الآية].

{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا}. [106].
قال المفسرون: إن المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاههم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟! ما هذا القرآن إلاَّ كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً. فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} الآية. وأنزل أيضاً: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} الآية.


{ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ }

قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ...} الآية. [108].
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي أمية ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفَجِّر الأنهارَ خلالها تفجيراً - نُؤْمِنْ بك. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال المفسرون: إن اليهود وغيرهم من المشركين تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قائل يقول: إيتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، ومن قائل يقول - وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي -: إيتنا بكتاب من السماء فيه: "من رب العالمين إلى ابن أبي أمية، اعلم أنني قد أرسلت محمداً إلى الناس". ومن قائل يقول: لن نؤمن لك أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. فأنزل الله تعالى هذه الآية.


{ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} الآية. [109].
قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعو إلى ديننا فهو خير لكم.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل.
أخبرنا أحمد بن محمد [بن الحسن]، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه:
أَن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من [أهل] المدينة حين قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزلت: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} إلى قوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ}.

{ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ...}. [113].
نزلت في يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران، وذلك أن وفد نَجْرَان لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل؛ وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بموسى والتوراة. فأنزل الله تعالى هذه الآية.


{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} الآية [114].
نزلت في طَطُوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلو مقاتِلَتَهم، وسَبَوْا ذراريهم، وحرّقوا التوراة وخرّبوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف. وهذا [معنى] قول ابن عباس في رواية الكلبي.
وقال قتادة [والسُّدّي]: هو بُخْتُنَصَّر وأصحابه، غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في مشركي أهل مكة ومَنْعِهم المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام.


{ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ...}. [115].
اختلفوا في سبب نزولها.
فأخبرنا أبو منصور المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدَّثنا أبو محمد إسماعيل بن علي، حدَّثنا الحسن بن علي بن شبيب العمري، حدَّثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي: حدَّثنا عبد الملك العَرْزَمِيّ، حدَّثنا عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد الله، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سَرِيَّة كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي ها هنا قِبَلَ الشمال. فصلّوا وخطّوا خطوطاً. وقال بعضنا: القبلة ها هنا قِبَلَ الجنوب، [فصلوا] وخطوا خطوطاً. فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قَفَلْنَا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فسكت، فأنزل الله تعالى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} الآية.
وأخبرنا أبو منصور، أخبرنا علي، حدَّثنا يحيى بن صاعد، حدَّثنا محمد بن إسماعيل الأَحْمَسِي، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا أشعث السَّمَّان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال:
كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، في السفر في ليلة مظلمة، فلم ندر كيف القبلة، فصلى كل رجل منا على حِيَالِه، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}.
ومذهب ابن عمر: أن الآية نازلة في التطوع بالنافلة.
أخبرنا أبو القاسم بن عبدان، حدَّثنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدَّثنا محمد بن يعقوب، حدَّثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، حدَّثنا أبو أسامة، عن عبد الملك بن سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال:
أنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك؛ في التطوع.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: إن النجاشي توفي فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن النجاشي توفي فصلّ عليه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يحضروا، وصفّهم ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: إن الله أمرني أن أصلي على النجاشي وقد توفي، فصلوا عليه. فصلّى رسول الله [وهم عليه]. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا. وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة. فأنزل الله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}.
ومذهب قتادة: أن هذه [الآية] منسوخة بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني. وقال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال الله تعالى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق.
وقال في رواية [علي] بن أبي طلحة الوَالبيّ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة -كان أكثر أهلها اليهود - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب قبلة إبراهيم؛ فلما صرفه الله تعالى إليها ارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما وَلاَّهُمْ عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}.


{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ }

قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً...}. [116].
نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب [حيث] قالوا: الملائكة بنات الله.


{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ }

قوله تعالى: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ}. [119].
قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم: ليت شعري ما فعل أبواي! فنزلت هذه الآية. وهذا على قراءة من قرأ: {وَلاَ تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيِمِ}جَزْماً.
وقال مقاتل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو أن الله أنزل بأسه اليهود لآمنوا. فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ}.


{ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }

قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ} الآية. [120].
قال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة، ويطمعونه أنه إن هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال ابن عباس: هذا في القبلة؛ وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصليَ النبي صلى الله عليه وسلم، إلى قبلتهم. فلما صرف الله القبلة إِلى الكعبة شق ذلك عليهم ويئسوا منه أن يوافقهم على دينهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.

{ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ }

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}. [121].
قال ابن عباس - في رواية عطاء والكلبي -: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة؛ كانوا أربعين رجلاً من الحبشة وأهل الشام.
وقال الضحاك: نزلت فيمن آمن من اليهود.
وقال قتادة وعكرمة: نزلت في [أصحاب] محمد صلى الله عليه وسلم.


{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }

قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} الآية. [133].
نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أَنَّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟.


{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }

قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ}. [135].
قال ابن عباس: نزلت في رؤوس يهود المدينة: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف [ووهب بن يهوذا] وأبي ياسر بن أخْطَبَ، وفي نصارى أهل نجران. وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين، كلّ فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها. فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان. وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن.
وقال النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد والقرآن. وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلاَّ ذلك. وَدَعَوْهم إلى دينهم.

{ صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ }

قوله تعالى: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً}. [138].
قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا وُلِدَ لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام صبغوه في ماء لهم يقال له: المعمودي، ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان الختان. فإذا فعلوا ذلك [قالوا: الآن] صار نصرانيَّاً حقَّاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية.


{ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} الآية. [142].
نزلت في تحويل القبلة.
أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر، وأخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا الحسن بن محمد بن مصعب، حدَّثنا يحيى بن حكيم، حدَّثنا عبد الله بن رجاء، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء قال:
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب أن يُوَجّه نحو الكعبة - فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} إلى آخر الآية. وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قال الله تعالى: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} إلى آخر الآية.
رواه البخاري عن عبد الله بن رجاء.


{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ...} [143].
قال ابن عباس في رواية الكلبي: كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد ماتوا على القبلة الأولى منهم أسعد بن زُرَاةَ، وأبو أمَامَةَ أحَدُ بني النّجار، والبَرَاء بن مَعْرُور أحد بني سلمة، وأناس آخرون جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الآية.

{ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ }

قال: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. [144].
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لجبريل عليه السلام: وَدِدْتُ أَنَّ الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها - وكان يريد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم - فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئاً، فسل ربك أن يحولك عنها إلى قبلة إبراهيم. ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدَّثنا عبد الوهاب بن عيسى، حدَّثنا أبو هشام الرفاعي، حدَّثنا أبو بكر ابن عياش، حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء قال:
صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم علم الله عز وجل هوى نبيه صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} الآية، رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص.
ورواه البخاري عن أبي نعيم عن زهير، كلاهما عن أبي إسحاق.


{ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...} الآية. [146].
نزلت في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سَلاّم وأصحابه، كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنعته وصفته ومبعثه في كتابهم؛ كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان.
قال عبد الله بن سلام: لأنا [كنت] أَشدَّ معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، مني بابني. فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمداً رسول الله حقاً يقيناً، وأنا لا أشهد بذلك على ابني؛ لا أدري ما أحدث النساء. فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام.


{ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }

قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} الآية. [154].
نزلت في قتلى بدر [من المسلمين]، وكانوا بضعة عشر رجلاً: ثمانيةً من الأنصار، وستة من المهاجرين: وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها. فأنزل الله هذه الآية.

{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} الآية [158].
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدَّثني مصعب بن عبد الله الزُّبَيْرِي، حدَّثنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:
أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يحجون لِمَنَاةَ، وكانت مناة حَذْوَ قُدَيْدٍ وكانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية.
رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل العسكري، حدَّثنا يحيى وعبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه عن عائشة، قالت: أنزلت هذه الآية في ناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا [أهلوا] لمناة في الجاهلية، ولم يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحج ذكروا ذلك له. فأنزل الله تعالى هذه الآية. رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن هشام [عن أبيه، عن عائشة].
وقال أنس بن مالك: كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عمرو بن حُبْشِي: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عباس فسله، فإنه أعلم مَنْ بقي بما أنزل [الله] على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته فقال: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: إسَافٌ، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة؛ زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما. فلما طالت المدة عُبِدَا مِنْ دون الله تعالى. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا [على] الوثنين. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال السُّدِّي: كان في الجاهلية تَعْزِفُ الشياطين بالليل بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما ظهر الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا منصور بن عبد الوهاب البَزّاز، أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان، أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن بكار، حدَّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن أنس بن مالك، قال:
كانوا يمسكون عن الطواف بين الصفا والمروة، وكانا من شعائر الجاهلية، وكنا نتقي الطواف بهما. فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} الآية.
رواه البخاري عن أحمد بن محمد، عن عاصم.


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ }

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ}. [159].
نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم وأَمْرَ محمد صلى الله عليه وسلم.


{ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. [164].
أخبرنا عبد العزيز بن طاهر التميمي، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا أبو عبد الله الزيادي، حدَّثنا موسى بن مسعود النَّهْدِي، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء قال:
أنزل بالمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}. فقالت كفار قريش بمكة: كيف يسع الناسَ إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} حتى بلغ: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
أخبرنا أبو بكر الأصبهاني، أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان [العسكري]، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبيّ الضُّحَى قال:
لما نزلت هذه الآية: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تعجب المشركون وقالوا: إله واحد! إن كان صادقاً فليأتنا بآية. فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى آخر الآية.

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً}. [168].
قال الكلبي [عن أبي صالح]: نزلت في ثقيف، وخُزَاعَةَ، وعامر بن صَعْصَعَةَ حرّموا علي أنفسهم من الحَرْث والأنعام، وحرَّمُوا البَحِيْرَةَ والسَّائبَةَ والَوَصِيلَةَ والحامِيَ.


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ...} [174].
قال الكلبي عن [أبي صالح عن] ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سِفْلَتِهِم الهدايا [والفُضُول]، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم. فلما بُعِثَ من غيرهم خافوا ذَهاب مَأْكَلَتِهم، وزوال رياستهم. فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فغيروها، ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة. فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة محمد، فلا يتبعونه.


{ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }

قوله تعالى: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} الآية. [177].
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن رجلاً سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم، عن البِرِّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إِله إِلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، ثم مات على ذلك - وجبت له الجنة، فأنزل الله تعالى هذه الآية


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} الآية. [178].
قال الشعبي: كان بين حَيَّين من أحياء العرب قتال، وكان لأحد الحيين طَوْلٌ على الآخر، فقالوا: نقتل بالعبد منا الحُرَّ منكم، وبالمرأة الرجل. فنزلت هذه الآية.


{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }

قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ...}. [187].
قال ابن عباس في رواية الوَالبي: وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلّوا العشاء حَرُمَ عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا من الطعام والنساء في شهر رمضان بعد العشاء، منهم: عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية.
أخبرنا أبو بكر الأصفهاني، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدَّثنا عبد الرحمن بن محمد الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن [أبي] زائدة، حدَّثني أبي وغيره، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بن عازب قال:
كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويمسون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك إلى مثلها [من القابلة]. إن قيس بن صِرْمَة الأنصاري كان صائماً، فأتى أهله عند الإفطار فانطلقت امرأته تطلب شيئاً وغلبته عينه فنام، فلما انتصف النهار من غد غشي عليه. قال: وأتى عمر امرأته وقد نامت، فذكر ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم، فنزل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} إلى قوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} ففرح المسلمون بذلك.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الشيباني، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدَّغُولي، حدَّثنا الزعفراني، حدَّثنا شبابة، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاءِ قال:
كان أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يطعم لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صِرْمَة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلُبُ لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه وجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فأصبح صائماً، فلما انتصف النهار غُشِيَ عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ففرحوا بها فرحاً شديداً.
رواه البخاري عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا يحيى بن حمزة، حدَّثنا إسحاق بن أبي فَرْوَة، عن الزهري أنه حدثه عن القاسم بن محمد قال:
إن بدء الصوم: كان يصوم الرجل من عشاء إلى عشاء، فإذا نام لم يصل إلى أهله بعد ذلك ولم يأكل ولم يشرب. حتى جاء عمر إلى امرأته فقال: إني قد نمت، فوقع بها. وأمسى صِرْمَة بن أنس صائماً فنام قبل أن يفطر - وكانوا إذا ناموا لم يأكلوا ولم يشربوا - فأصبح صائماً وكاد الصوم يقتلهم، فأنزل الله عز وجلّ الرخصة، قال: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} الآية.
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمر الحبري، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا ابن أبي مريم. أخبرنا أو غَسّان. حدَّثني أبو حازم، عن سهل بن سَعْد قال:
نزلت هذه الآية: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رُؤْيَتَهُما فأنزل الله تعالى بعد ذلك: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا [أنه] إنما يعني بذلك الليل والنهار.
رواه البخاري عن ابن أبي مريم.
ورواه مسلم، عن محمد بن سهل، عن ابن أبي مريم.


{ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} الآية، [188].
قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرىء القيس بن عابس الكندي وفي عبدان بن أشوع الحَضْرَمي، وذلك أنهما اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في أرض، وكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فحكّم عبدان في أرضه ولم يخاصمه.

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ...} الآية، [189].
قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال قتادة: ذُكر لنا أنهم سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم: لم خلقت هذه الأهلة؟ فأنزل الله تعالى: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}.
وقال الكلبي: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة وهما رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينتقص ويدق حتى يكون كما كان: لا يكون على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}، [189].
أخبرنا محمد بن إبراهيم المُزكي، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا أبو خليفة، حدَّثنا أبو الوليد والحوضي قالا: حدَّثنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق، قال سمعت البراء [بن عازب] يقول:
كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قِبَلِ باب، فكأنما عير بذلك، فنزلت هذه الآية.
رواه البخاري عن أبي الوليد.
ورواه مسلم عن بُنْدَار، عن غُنْدَر عن شعبة.
أخبرنا أبو بكر التميمي، حدَّثنا أبو الشيخ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عُبيد، حدَّثنا عبيدة، عن الأعمش، عن أبي سفيان؛ عن جابر قال: كانت قريش تدعى الحُمُس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام؛ فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قُطْبَةُ بن عامر الأنصاري، فقالوا يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، فقال: إني أَحْمِسيّ، قال: فإن ديني دينُك، فأنزل الله {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}.
وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدن نَقَب نَقْباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه، ويرون ذلك ديناً إلا أن يكون من الحمس وهم قريش، وكِنَانَة، وخُزَاعةَ وثَقِيف، وخَثْعَم، وبنو عامر بن صَعْصَعَة، وبنو النَّضرْ بن معاوية؛ سموا حمساً لشدتهم في دينهم قالوا: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحمسي، قال الرجل: إن كنت أحْمسياً فإني أحمسي، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.


{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ }

قول تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} الآية. [190].
قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:
نزلت هذه الآيات في صلح الحُدَيْبِيَةِ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لَمَّا صُدَّ عن البيت هو وأصحابه نحر الهَدْيَ بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه ثم يأتي القابل على أن يُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحَرَم، فأنزل الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني قريشاً.


{ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ }

قوله تعالى: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} الآية، [194].
قال قتادة: اقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في ذي القعدة حتى إذا كانوا بالحديبية صدَّهم المشركون، فلما كان العام المقبل دخلوا مكة فاعتمروا في ذي القعدة، وأقاموا بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية فَأَقَصَّه الله منهم، فأنزل: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} الآية.

{ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }

قوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} الآية. [195].
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد، حدَّثنا عبد الله بن أيوب، حدَّثنا هشيم، عن داود، عن الشعبي قال:
نزلت في الأنصار أمسكوا عن النفقه في سبيل الله تعالى فنزلت هذه الآية.
وبهذا الإِسناد عن هشيم، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عِكْرمة قال: نزلت في النفقات في سبيل الله.
أخبرنا أبو بكر المهْرَجَاني، أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة، أخبرنا أبو القاسم البَغوِيّ، حدَّثنا هُدْبة بن خالد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة، قال:
كانت الأنصار يتصدقون ويطعمون ما يشاء الله، فأصابتهم سنة فأمسكوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
أخبرنا أبو منصور البغدادي، أخبرنا أبو الحسن السرّاج، حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدَّثنا هُدبة، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قول الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر لي، فأنزل الله هذه الآية.
أخبرنا أبو القاسم بن عبدان حدَّثنا محمد بن حمدوية، حدَّثنا محمد بن صالح بن هانئ قال حدَّثنا أحمد بن محمد بن أنس القرشي، حدَّثنا عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، أخبرني أسلم أبو عمران، قال:
كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عُقْبَةُ بن عامر الجُهَنيِّ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، وصففنا لهم صفَّاً عظيماً من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلاً، فصاح الناس فقالوا: سبحان الله ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمّا أعزّ الله تعالى دينه وكثَّر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض سراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما هممنا به فقال: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} في الإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال فنصلحها فأمرنا بالغزو. فما زال أبو أيوب الأنصاري غازياً في سبيل الله حتى قبضه الله عزّ وجلّ.


{ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }

قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} [196].
أخبرنا الأستاذ أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد أباذي حدَّثنا العباس الدوري، حدَّثنا عبيد الله بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن عبد الرحمن الأصفهاني، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عُجْرَةَ، قال:
فيّ نزلت هذه الآية: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: احلق وافده صيام ثلاثة أيام، أو النسك، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين صاع.
أخبرنا محمد بن إبراهيم المزكي، حدَّثنا أبو عمرو بن مطر، إملاء، أخبرنا أبو خليفة، حدَّثنا مسدد، عن بشر، حدَّثنا ابن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
قال كعب بن عجرة: فيّ أنزلت هذه الآية، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادنه، فدنوت مرتين أو ثلاثاً، فقال: أيؤذيك هَوَامُّك؟ قال ابن عون وأحسبه قال: نعم، فأمرني بصيام أو صدقة أو نسك ما تيسر، رواه مسلم عن أبي موسى، عن ابن عدي، [ورواه البخاري عن أحمد بن يونس عن ابن شهاب]، كلاهما عن ابن عون.
أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله المخلدي، أخبرنا أبو الحسن السراج، أخبرنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، حدَّثنا عاصم بن علي، حدَّثنا شعبة، أخبرني عبد الرحمن [بن] الأصفهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال:
قعدت إلى كعب بن عُجْرَة في هذا المسجد - مسجد الكوفة - فسألته عن هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: حُملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك هذا، ما تجد شاة؟ قلت: لا فنزلت هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، فنزلت فيّ خاصة ولكم عامة. رواه البخاري عن آدم بن أبي إِياس وأبي الوليد ورواه مسلم بن بندار عن غندر، كلهم عن شعبة.
أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الصوفي، أخبرنا محمد بن علي الغفاري، أخبرنا إسحاق بن محمد [الرسعني]، حدَّثنا جدي، حدَّثنا المغيرة الصقلاني، حدَّثنا عمر بن بشر المكي، عن عطاء، عن ابن عباس قال:
لما نزلت الحديبية جاء كعب بن عجرة ينتثر هَوَامُّ رأسه على جبهته، فقال: يا رسول الله، هذا القمل قد أكلني قال: احلق وافده. قال: فحلق كعب فنحر بقرة، فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك الموقف: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} الآية.
قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصيام ثلاثة أيام، والنسك شاة، والصدقة الفَرْقُ بين ستة مساكين، لكل مسكين مدان.
أخبرنا محمد بن محمد المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا عبد الله بن المهتدي، حدَّثنا طاهر بن عيسى بن إسحاق التميمي، حدَّثنا زهير بن عباد، حدَّثنا مصعب بن ماهان، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال:
مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوقد تحت قدر له بالحديبية فقال: أيؤذيك هَوَامُّ رأسك؟ قال: نعم، قال: احلق. فأنزل الله هذه الآية: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. قال: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة فرق بين ستة مساكين، والنسك شاة.
[أخبرنا عبد الله بن عباس الهروي فيما كتب إليَّ: أن العباس بن الفضل بن زكريا حدثهم عن أحمد بن نجدة، حدَّثنا سعيد بن منصور، حدَّثنا أبو عوانة، عن عبد الرحمن بن الأصفهاني، عن عبد الله بن معقل قال:
كنا جلوساً في المسجد، فجلس إلينا كعب بن عجرة فقال: فيّ أنزلت هذه الآية: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} قال: قلت: كيف كان شأنك؟ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، محرمين، فوقع القمل في رأسي ولحيتي وشاربي حتى وقع في حاجبي، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك هذا، ادعوا الحالق، فجاء الحالق فحلق رأسي، فقال: هل تجد نَسِيكَة؟ قلت: لا، وهي شاة، قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصُع بين ستة مساكين. قال فأنزلت فيّ خاصة، وهي للناس عامة].


{ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }

قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} الآية. [197].
أخبرنا عمرو بن عمرو المُزَكِّي، أخبرنا محمد بن المكي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدَّثنا يحيى بن بشير، حدَّثنا شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
كان أهل اليمن يحجون ولا يتزدون، يقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}.
وقال عطاء بن أبي رباح: كان الرجل يخرج فيحمل كَلَّهُ على غيره، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}.

{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ }

قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} الآية [198].
أخبرنا منصور بن عبد الوهاب البزار، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري، عن شعيب بن [علي] الزَّرّاع، حدَّثنا عيسى بن مساور، حدَّثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدَّثنا العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي قال:
سألت ابن عمر فقلت: إِنا قوم نُكْرى في هذا الوجه، وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا. قال: ألستم تلبون؛ ألستم تطوفون [ألستم تسعون] بين الصفا والمروة؟ ألستم ألستم؟ قال [قلت]: بلى، قال: إِن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما سألت عنه فلم [يدر ما] يرد عليه حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فدعاه فتلا عليه حين نزلت، فقلت: أنتم الحجاج.
أخبرنا أبو بكر التميمي، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن خشنام، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال:
كان ذو المجاز وعكاظ متجراً للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} في مواسم الحج.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال:
كانوا يتقون البيوع والتجارة في الحج يقولون: أيام ذكر الله عز وجل: فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فاتجروا.


{ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} الآية [199].
أخبرنا التميمي بالإسناد [المتقدم] الذي ذكرنا، عن يحيى بن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت:
كانت العرب تفيض من عرفات، وقريش ومن دان بدينها تفيض من جَمْع من المشعر الحرام، فأنزل الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}.
أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر المزكي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن السَّرْخَسِي، حدَّثنا أبو بكر بن أبي خَيْثَمةَ، حدَّثنا حامد بن يحيى، حدَّثنا سفيان بن عيينة، أخبرني عمرو بن دينار، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال:
أضللتُ بعيراً لي يوم عرفة: فخرجت أطلبه بعرفة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقفاً مع الناس بعرفة، فقلت: هذا من الحمس ماله ها هنا.
قال سفيان: والأحْمس: الشديد الشحيح على دينه.
وكانت قريش تسمى الحُمْسَ فجاءهم الشيطان فاستهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظمتم غير حَرَمِكُم استخف الناسُ بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، ويقفون بالمزدلفة، فلما جاء الإسلام أنزل الله عز وجل: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}. يعني عرفة. رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن ابن عيينة.


{ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ }

قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} الآية. [200].
قال مجاهد: كان أهل الجاهلية إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا فعل آبائهم في الجاهلية، وأيامهم وأنسابهم فتفاخروا، فأنزل الله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}.
وقال الحسن: كانت الأعراب إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ }

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الآية. [204].
قال السدي: نزلت في الأَخَنْس بن شريق الثقفي، وهو حليف بني زهرة أقبل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة فأظهر له الإسلام وأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم إني لصادق، وذلك قوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرّ بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعَقَرَ لحمر، فأنزل الله تعالى فيه: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ}.


{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} الآية. [207].
قال سعيد بن المسيب: أقبل ضُهَيْب مهاجراً نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أَرْمَاكم رجلاً، وأيم الله لا تَصِلُون إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلّي عنك، وعَاهَدُوه إنْ دلهم أن يَدَعُوه، ففعل. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبا يحيى ربح البيع، ربح البيع، وأنزل الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ}.
وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيباً فَعذبوه، فقال لهم صهيب إني شيخ كبير لا يضركم أَمِنْكُمْ كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتَذَرُوني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقال صهيب: وبيعك فلا يَخسر ما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية.
وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآي



الجمعة يونيو 08, 2007 10:28 pm